رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إذ أتاه ملك فقال : أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبيّ قبلك فاتحة الكتاب ، وخواتم سورة البقرة ، لن تقرأ حرفا منهما ألا أعطيته . وعن حذيفة بن اليمان أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم
شرح
إليك يدلان على علمين عظيمين من العلوم اللدنية ، والعلم والوحي يطلق عليه النور كما تطلق الظلمة على مقابله قال تعالى :انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ[ سورة الحديد ، الآية : 13 ] . وقوله :
( لم يؤتهما ) إلخ أي هو مخصوص به صلّى اللّه عليه وسلّم من بين الأنبياء ، والمرسلين عليهم الصلاة والسلام ، وفاتحة الكتاب وما عطف عليه بالجرّ عطف بيان أو بدل مما قبله ويجوز رفعه ونصبه ، وخواتم سورة البقر من قوله :آمَنَ الرَّسُولُ[ سورة البقرة ، الآية : 285 ] إلخ وخواتم بميم بعد المثناة وفي نسخة خواتيم بياء تحتية جمع خاتمة على خلاف القياس وهو مسموع كما نقله الثقات وفي الحديث : « الأعمال بخواتيمها » « 1 » وقيل سميا نورين لاشتمالهما على الحروف النورانية ، وهي أربعة عشر حرفا مذكورة في أوائل السورة وهو بعيد ، والمخاطب النبيّ عليه الصلاة والسلام حقيقة وإن شمل أمّته معنى . قوله : ( لن تقرأ حرفا إلخ ) الحرف واحد الحروف المعروفة ، ويكون بمعنى الكلمة وكل محتمل هنا وضمير أعطيته راجع له وقيل إنه راجع لما وعده أي أعطيت ما وعدته من الثواب ، وقيل إنه راجع للنور الشامل للنورين ، وما قيل من أنّ المراد أعطيت ثوابا لأجل قراءة ذلك الحرف سوى ثواب كلماتها وثواب المجموع المؤلف منها أو المراد أعطيت به ما لا يحصيه إلّا اللّه ، أو لن تدعو بحرف منها وفيه دعاء كاهدنا إلّا أجبت ، أو المراد أعطيت ذلك الحرف بأن تتصرف به فيما تشاء ، لأنّ الملك مظهر الأسماء ومتصرف الحروف العالية التي هي الملائكة لا يدفع ما أورد عليه من أنّ ما ذكر مشترك بينه وبين سائر القرآن الكريم ، وإن تشبث به ذلك القائل بزعمه . قوله : ( وعن حذيفة بن اليمان « 2 » إلخ ) حذيفة بن اليمان العبسي من كبار الصحابة وكان أبوه يسمى حنبلا ، فأصاب دما وهرب إلى المدينة فخالف بني عبد الأشهل فسماه قومه اليماني لكونه حالف اليمانية ، وهو نسبة إلى اليمن وأصله يمنيّ ، فعوض عن إحدى ياءيه ألف ورسم بغير ياء كما هو معروف في علم الرسم وكان يقال له صاحب السرّ لقوله حدّثني رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عما كان ، وما هو كائن إلى يوم القيامة ومات بالمدائن في ست وثلاثين ، وكان عمر رضي اللّه عنه استعمله عليها ، وهذا الحديث أسنده الثعلبي ، وقال العراقي : إنه موضوع . وقيل : إنه ضعيف . والمعنى أنّ من الناس من يبعث عليه بشؤم معاصيه الموجبة للعقاب عذاب ، ثم يؤخر عنهم ببركة قراءة صبيانهم ما
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري 6607 وأحمد 5 / 331 و 335 من حديث سهل بن سعد الساعدي مطوّلا .
وأخرجه ابن ماجة 4199 وابن حبان 339 من حديث معاوية .
( 2 ) قال ابن حجر في تخريج الكشاف 1 / 19 : أخرجه الثعلبي من رواية أبي معاوية عن أبي مالك الأشجعي عن ربعي عنه إلا أن من دون أبي معاوية من لا يحتج به .
وله شاهد من مسند الدارمي عن ثابت بن عجلان قال : كان يقال إن اللّه ليريد العذاب بأهل الأرض فإذا سمع تعليم الصبيان بالحكمة صرف ذلك عنهم . يعني بالحكمة القرآن اه .