فثبت وتحقّق عند العارف المحقّق أنّ اللّه قد أودع في موادّ الكائنات قبول فنون من الصور والكمالات والقوى والكيفيّات ، وأودع بعنايته وحكمته في صورها توجّها طبيعيّا إلى ما هو أشرف وأقرب إلى أفق النور وعالم الرحمة والسرور ، ثمّ أفاض عليها رحمة بعد رحمة وهداية بعد هداية ، حتّى أوصلها إلى غايات درجاتها ونهايات حركاتها ، وهكذا إلى أن تنتهي حركاتها وانتقالاتها إلى الحيوانيّة ، ثمّ إلى الإنسانيّة ، وكلّما حصل فيها كمال أتمّ وصورة أقوى كانت عشقها وشوقها إلى ما هو كمال وغاية لها أكثر وأشدّ .
فإذن ثبت وتحقّق أنّه لا يجوز أن تقف حركة الوجود عند الإنسان وتسكن لديه ولا تتجاوزه إلى ما هو خير حقيقي ، لنقصانه ما دام في الدنيا عن تمام الارتقاء إلى عالم الدوام والبقاء .
فقوله :
أَ فَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ
أي : تبذرون حبوبه في الأرض - وقوله :
أَ أَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ
أي : تنبتونه وتغذونه وتنمونه وتجعلونه في أطوار الخلقة وتبلغونه إلى أن تبلغ الغاية وتصل النهاية .
و
عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله : لا يقولنّ أحدكم : زرعت . وليقل :
حرثت « 38 » .
وسبب نهيه عن ذلك الاشتباه الواقع للناس بين المعدّ والموجد كما مرّ .
وقوله : ( فظلتم ) وقرء : فضللتم على الأصل - تفكّهون : أي تعجبون ممّا نزل بكم في زروعكم حيث جعل حطاما وصار هشيما لا ينتفع به .
وعن الحسن وقتادة وعكرمة : تندمون على تعبكم فيه وانفاقكم عليه وأصله من التفكّه في الحديث « 39 » ، وهو التلهّي به . فكأنّهم يتروّحون إلى الندم
هامش
( 38 ) الدر المنثور : ج 6 ص 161 .
( 39 ) بالحديث - نسخة .