على أنّ سرّ كلام اللّه أجلّ من أن يحيط به تقرير وبيان ، وأن يجمع أكنافه وأطرافه لسان وبنان ، لكنّ محرّك الكلّ حرّكني بقدرته إلى حيث أراد ، ومقلّب القلوب قلّبني بإصبعيه نحو ما شاء وأجاد ، ولا بعد في أن يطلع اللّه أحدا على بعض أسرار كتابه ، ويشرق على قلبه نبذا من أنوار خطابه ، فإنّ لكلّ نفس طالبة قسطا من نور اللّه - قلّ أو كثر - ولكلّ قلب هارب عن غيره حظّ من سرّ اللّه بطن أو ظهر ، لأنّ رحمة اللّه واسعة وخزائن جوده مملوّة ، وينابيع وجوده نابعة ، يفيض على من يشاء من عباده من غير مانعة ولا دافعة .
تمهيد :
اعلم - وفّقك اللّه لفهم أسرار القرآن ، وجعلك متخلّصا عن أسر عالم الحدثان : - إنّ المقصد الأقصى والعمدة الوثقى في كمال الإنسان الذي هو أشرف ما يوجد في عالم الحيوان ، معرفة أحوال المبدإ والمعاد ، ولأجلها بعث اللّه النبيّين مبشّرين ومنذرين إلى العباد . وأنزل الكتاب نورا يهتدي به الناس في سبيل النجاة والرشاد ، وإليها يرجع فائدة الحثّ على الطاعات المنوّرات للقلب بالترغيب ، والزجر عن المعاصي المظلمات المكدّرات للنفس بالترهيب .
وإنّ للإنسان في الجملة أحوالا ثلاثة يعبّر عنها بالأيّام الثلاثة : وهي حال المبدإ والمعاش والمعاد ، المشار إليها في
قول أمير المؤمنين وإمام الموحّدين - عليه السّلام والإكرام - : « رحم اللّه امرأ أعدّ لنفسه ، واستعدّ لأمسه « 4 » ، وعلم من أين وفي أين ، وإلى أين » « 5 » .
هامش
( 4 ) لرمسه - نسخة .
( 5 ) مضى الخبر في الصفحة : 264 .