فإن قال : « أهانه » كذب واللّه العظيم ، وأتى بالإفك القديم . وإن قال :
« أكرمه اللّه » فليعلم أنّ اللّه قد أهان غيره ، حيث بسط الدنيا [ له ] ، وزواها عن أقرب الناس منه ، فتأسى متأسّي نبيّه « 13 » ، واقتصّ أثره وولج مولجه . وإلّا فلا يأمن الهلكة ، فإنّ اللّه جعل محمّدا صلّى اللّه عليه وآله علما للساعة ، ومبشّرا بالجنّة ، ومنذرا بالعقوبة . خرج من الدنيا خميصا ، وورد الآخرة سليما ، لم يضع حجرا على حجر حتّى مضى لسبيله ، وأجاب داعي ربّه ، فما أعظم منه « 14 » عندنا حين « 15 » أنعم علينا به سلفا نتّبعه وقائدا نطأ عقبه .
واللّه لقد رقعت مدرعتي حتّى استحييت من راقعها ، ولقد قال [ لي ] قائل ألا تنبذها ؟ فقلت : اعزب « 16 » منّي فعند الصباح يحمد القوم السرى .
انتهى كلامه عليه من اللّه سلامه وإكرامه « 17 » .
وفي كلام بعض الحكماء على طريق الرمز ما قال : لكلّ قهوة سكارى ، ولكلّ بحر مغرقون ، كم بين حائر في الظلمات زحزح عن نور الشمس وبين حائر أغرقه ضوئها في قربها الأقرب .
وقال أيضا : بباب الحقّ قوم لا يشغلهم صدمات الأسباب ولا يجزعون من البلاد ، فإنّ البلاء صراط اللّه به عبرت قوافل الرجال ، ولو سلكته لوجدت عليه آثارهم ولعرفت فيه أخبارهم ، فكلّ أرض لم يصبها صيّب من المصائب أبت أن تنبت نبت النجاح .
هامش
( 13 ) نهج البلاغة : متأس بنبيّه .
( 14 ) نهج البلاغة : منّة اللّه .
( 15 ) حتى - نسخة .
( 16 ) في نسخة : غرب .
( 17 ) نهج البلاغة : الخطبة : 160 وما جاء بين [ ] إضافة منه ، وفيه اختلافات يسيرة .