حبّ اللّه ، لإحسانه إليها وإنعامه عليها بحظوظها العاجلة وبحبّه لأنه أهل له ، حبّه من حيث جماله وجلاله الذي انكشف لها ، وهو أعلى الحبّين وأقواهما ، ولذّة مطالعة جمال الربوبيّة التي عبّر عنها
النبيّ صلّى اللّه عليه وآله حيث قال حكاية عن اللّه : « أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا اذن سمعت » - الحديث - .
واعلم إنّ عبادا ممن قد يعجلّ لهم بعض هذه اللذات العلي - وهم بعد في حياتهم الدنيا - لأنّه قد انتهى صفاء قلوبهم ولطافة أذهانهم إلى الغاية ، ولذا قال بعضهم إنّي أقول « يا ربّ يا اللّه » فأجد ذلك أثقل على قلبي من الجبال ، لأنّ النداء يكون من وراء حجاب ، وهل رأيت جليسا ينادي جليسه ؟
وحكي إنّ رجلا جاء إلى أبي يزيد فقال : « بأيّ شيء أستعين على عبادة ربّي ؟ » فقال : « باللّه إن كنت تعرفه » لأنّ أدنى منازل العارف علمه بأنّه ليس به شيء من الحول والقوّة ، فإذا علم بذلك ، صارت الأشياء كلّها له .
وقال فضيل : من عرف اللّه حقّ معرفته صارت جميع حركاته طاعة ، وجميع أنفاسه ذكرا ، وجميع أحواله أنسا ، وجميع إراداته هويّة ( هديّة ) .
وسئل بعض أصحاب القلوب عن حقيقة المعرفة فقال : طيران القلب في علّيين ، وجولانه في حجب القدرة التي لا يعرفها إلّا من أصمّ أذنيه عن سماع الباطلات ، وأعمي عينيه عن النظر إلى الشهوات ، وأخرس لسانه عن التكلّم بالفضولات . وهو ما قيل في حقيقة المعرفة : والعارفون صمّ بكم عمي ، وقيل : من عرف اللّه كلّ لسانه ودهش عقله ودام تحيّره .
وقال بعضهم : إنّ للعارفين نارا ونورا ، نار الخشية ونور المعرفة فالدنيا تبكي عليه بعين الفناء ، والآخرة تضحك إليه بعين البقاء . فكيف يقدر
تفسير القرآن الكريم — صفحة 304
مساهمون: محمد خواجوى
ص٣٠٤