معقولة - وليس كذلك - بل هذه الحالة للعرفاء الكاملين بالإضافة إلى مقصودهم كحالته بالقياس إلى أكثر مطالبه ممّا يحبّه كثيرا من جاه أو مال ، أو تقرّب سلطان ، أو تفوّق في البحث على مشارك أو غير ذلك ، فإنّه قد يصير مصروف الهمّ مستغرقا لشدّة الغضب بالفكر في عدوّ أو منازع له في علمه أو جاهه عند الناس ، أو مستغرقا لشدة الشهوة بالفكر فيما هو معشوقه حتّى لا يكون فيه متّسع لإدراك آخر ، فعند ذلك الحال ربما يخاطب ولا يفهم ويجتاز بين يديه غيره فلا يراه وعيناه مفتوحتان ، ويتكلّم عنده ولا يسمع وما باذنه صمم « 16 » ، وهو في هذا الاستغراق غافل عن كلّ شيء ، وعن الاستغراق أيضا ، فإنّ الملتفت إلى الاستغراق غافل عن المستغرق فيه .
وإنّما سمّوا هذه الحالة فناء وإن كان الشخص والظلّ باقيا لأنّ الأشخاص والأظلال 32 - بل سائر المحسوسات - ليس لها حقيقة الوجود ، بل وجودها كحكايات المرائي والظلال ، وإنّما الوجود الحقيقي لعالم الأمر والملكوت ، والقلب من عالم الأمر ، قال اللّه تعالى :
قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي
[ 17 / 85 ] والقوالب من عالم الخلق ، وليس هذا إشارة إلى قدم الروح وحدوث القالب ، بل هما جميعا حادثان ، وإنّما أعني بعالم الخلق ما يقع التقدير والمساحة وهي الأجسام وصفاتها ، وبعالم الأمر ما لا يتطرّق إليه التقدير والمساحة .
ونحن خاصّة قد بيّنا ذلك وبرهنّا على أنّ المقدار الاتّصالي جوهرا كان أو عرضا غير موجود في نفسه ، وعلى أنّه مناط الجهالة والنسيان ، كما أنّه مناط العدم والفقدان ، لزوال كلّ جزء عن كلّ جزء ، وغيبة كلّ بعض عن كلّ بعض وعن الكلّ أيضا ، فالعالم الجسماني ليس وجوده إلّا كوجود الظلّ ، فهو من
هامش
( 16 ) صميم - نسخة .