والأولياء عليهم السّلام في صور جميلة يفيض بواسطتها عليه بعض الحقائق ، وذلك في البداية إلى أن يعلو درجته عن المثال فيكافح بصريح الحقّ في كلّ شيء . فإذا ردّ إلى العالم المجازي وجواهره التي هي كالظلال ينظر إلى الخلق نظر مترحّم عليهم ، لحرمانهم عن مطالعة جمال حضرة القدس ، ويعجب من أصحاب الفهوم الفكريّة وأرباب العلوم والعقائد الجزئيّة وقناعتهم بالظلال وانخداعهم بعالم الغرور والخيال ، مع ما كان لهم أوّلا من الاستعداد لطلب الكمال والارتقاء إلى عالم الحقّ المتعال ، فأفسدوه بانكبابهم إلى أغراض هذا الأدنى ، وإعراضهم عن الطريق المثلى ، وانحرافهم عن مطالعة آيات اللّه الكبرى ، ومع ذلك فيعاشرهم ويخالطهم بالظاهر ، ويكون البعد بينه وبينهم بحسب الباطن كما بين المشرق والمغرب ، فيكون معهم حاضرا بشخصه ، غائبا بقلبه ، تعجب هو من حضوره ويتعجبون من غيبته - لو تفطّنوا .
فهذه ثمرة لباب الذكر ، وإنّما مبدئها ذكر اللسان ، ثمّ ذكر النفس تكلّفا ، ثمّ ذكر القلب طبعا ، ثمّ استيلاء المذكور على الروح ، ثمّ انمحاء الذكر عن السرّ حقيقة . وهذا سرّ قوله :
وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
.
وسرّ
قوله صلّى اللّه عليه وآله : « من أحبّ أن يرتع في رياض الجنّة فليكثر ذكر اللّه » « 17 » .
بل سرّ
قوله صلّى اللّه عليه وآله : « فضل « 18 » الذكر الخفيّ على الذكر الذي يسمعه الحفظة سبعين ضعفا » .
هامش
( 17 ) جاء ما يقرب منه في المسند : 3 / 150 . ومعاني الأخبار : 321 .
( 18 ) تفضل - نسخة .