تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم — صفحة 219

مساهمون:

ص٢١٩
وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ
. فللإشارة إلى هذه المراتب المقتضية لقبض الأرواح وجذب النفوس إلى اللّه تعالى وقعت نسبة التوفّي تارة إلى اللّه تعالى ، وتارة إلى الملك الروحاني وإلى ملائكة هي دونه في الرتبة ، وتارة إلى رسل اللّه ، وتارة إلى النفس ، تارة إلى الطبيعة المسخّرة - كما في هذه الآية - تنبيها على اختلاف هذه النشآت وتعدّد العوالم وتفاوت الدرجات للإنسان . لكن يجب على الناظر المتأمّل أن يعلم ممّا أكثرنا ذكره وكرّرنا إثباته في توضيح أسرار بعض الآيات أنّ كلّ فعل إذا نسب إلى الباري القيّوم يكون بالحقيقة لا بالمجاز 22 ، وإن نسب إلى ما سواه يكون بالمجاز ، وذلك لأنّ الأسباب مستهلكة الذوات والمهيّات عند مسبّبها ، فإذا سمعت مثل قوله تعالى :
اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها
فاحمله على الحقيقة في التوفّي ، وإذا سمعت مثل قوله :
قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ
فاحمله على المجاز . فالكامل في العرفان من كان في حدقة عرفانه نوران : نور التوحيد ، ونور الحكمة . ولا يطفي أحدهما نور الآخر ، فبأحد النورين ينظر إلى توحيده تعالى ، وبالنور الآخر ينظر إلى حكمته في ترتيب الأسباب للمسبّبات ، ويرى كثرة صور الأعيان التي هي مظاهر الأسماء في وحدة وجوده وفيض جوده . وأكثر الناس ممّن يشغلهم شأن عن شأن ، فمنهم من راعى جانب التوحيد في الأفعال ، فأهمل رعاية الحكمة والترتيب كالأشاعرة المنكرين للقول بالعلّة والمعلول وترتيب الأسباب - أولم يتدبّروا في خلق السماوات والأرض وما بينهما من عجائب الحكمة وبدائع الفطرة ، وقد قال سبحانه :
وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ
[ 44 / 38 ] وقال تعالى :