بالمحسوسات ، فلو فرضوا أنّ أحدا يقوم بنفسه من غير مباشرة الأكل والشرب والوقاع ، ولا مصادقة الأقرباء والعشائر والديار والعقار والضياع والمواشي وغيرها ، بل يكتفي بذكر اللّه وعالم ملكوته ، لاستحالوا ذلك أو عدّوا حاله من أسوء الحالات ، وشبّهوه بحالة الأموات والجمادات .
جهلا بأنّ غاية ما سمّوه لذّة وغبطة بالنسبة إلى ما يجده أولياء اللّه من ملاحظة حضرة الربوبيّة ومشاهدة العاكفين لجنابه ، أشبه بأن يسمّى عذابا وألما من أن يسمى لذّة وراحة . كيف ولو كان ما زعموه حقّا لكان البغال والحمير أوفر سعادة وأجلّ سرورا وغبطة من ملائكة اللّه الذين طعامهم الذكر والتحميد وشرابهم التنزيه والتقديس .
الإشراق الثالث [ الفطرة التوحيدية في الإنسان بالقوة ]
إنّ في الآية إشعارا بأنّ طبيعة أكثر الناس متنفرة عن حقيقة الدين ، معرضة عن لقاء الحقّ ، لكونهم غير متمنّين للموت بل مستكرهين له ، فهم ليسوا من أولياء اللّه بحسب قاعدة عكس النقيض ، بل من أولياء الطاغوت ، فلذلك طبائعهم مجبولة على حبّ الدنيا وزينتها ورياستها .
والجوهر الروحاني الذي جبل على فطرة اللّه وفطر على قبول دعوة الإسلام ودين التوحيد ، فهو مودع في الإنسان بالقوّة كالجوهر في المعدن ، لا يستخرج إلى الفعل إلّا بجهد جهيد وكد شديد وسعي تامّ ، وتنقيه للقلب وتصفية للباطن عن أغراض النفس ، وأعمال وعبادات على قانون الشريعة الحقّة ، ومتابعة تامة للنبيّ صلّى اللّه عليه وآله في أوامره وزواجره وأحكامه