مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ
في دعواكم أنّكم أولياء اللّه وأحبّائه ، فإنّ الموت من أسباب الوصلة إليه تعالى .
ثمّ أخبر عن حالهم وكذب مقالهم وفساد زعمهم وقبح سيرتهم ودغل سريرتهم وسوء شكيمتهم واضطراب رأيهم وتزلزل دعويهم ووخامة عاقبتهم وآخرتهم وأنّهم غير واقفين بما يقولون ، إذ ليس بنائه على أصل صحيح وبرهان متين ، بل على مجرّد ظنّ فاسد وتخمين واغترار بما يستحسنه أهل الظاهر ، فقال :
وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ
من الكفر والمعاصي .
معناه ولا يتمنّونه الموت لما اكتسبت نفوسهم من ملكة محبة الدنيا ولذاتها وشهواتها وملكة الانجذاب إلى دواعيها وأغراضها ، فصارت نفوسهم ومقيدة بها ، محبوسة فيها لتكرّر الأفاعيل البدنية الشهويّة والغضبيّة وتكثّر الأعمال الحيوانيّة البهيميّة والسبعيّة ، الموجبة للركون إلى نعيم الدنيا وزهرتها والإخلاد إلى أرض - الشهوات والاستغراق في بحر اللذات .
ومنشأ هذه الأعمال والأفعال كلّها هو الفساد في الاعتقاد والشكّ في بقاء النفس في المعاد ورجوعها إلى الواحد القهّار ، فصار هذه الأخلاق الرديّة والملكات الدنيّة الحاصلة من تكرّر الالتفاتات إلى عالم الخلق ، وتكثّر الإعراض والاستيحاش عن عالم الحقّ وملكوته الأعلى ، وإنكار وجود المفارقات ونفي ثبوت الملائكة العقليات ، مسامير مؤكّدة وأوتاد مستحكمة في النفس بحيث لا فرق عندهم بين ترك البدن ونزع الروح عن الدنيا وبين ترك اللذات للذات ونزع الروح عن الروح ، لأنّ نفوسهم صارت كأنّها عين البدن .
ولهذا لا يمكنهم تصوّر بقاء النفس من دون استعمالها للحواسّ واشتغالها