تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم — صفحة 108

مساهمون:

ص١٠٨
تشترك فيه الكثرة ، ويجتمع عنده الأعداد في الوحدة ، ويضمحلّ فيه التخالف والتضادّ ، ويتصالح عليه الآحاد ، ومثل هذا الأمر لا تدركه الروح الإنسانيّة ما لم تتجرد عن مقام الخلق ولم ينفض عنها الحواسّ ولم ترتق إلى مقام الأمر متّصلة بالملإ الأعلى ، إذ ليس من شأن المعقول من حيث هو معقول أن يحسّ كما ليس من شأن المحسوس من حيث هو محسوس أن يعقل . ولن يستتمّ الإدراك العقليّ بآلة جسمانيّة ، فإنّ المتصور فيها مخصوص مقيّد بوضع ومكان وزمان ، والحقيقة الجامعة العقليّة لا تتقرّر في منقسم مشار إليه بالحسّ ، بل الروح الإنسانيّة يتلقّى المعقولات بجوهر عقليّ من حيّز عالم الأمر ، ليس بمتحيّز في جسم ولا متمكّن في حسّ ولا داخل في وهم . ثمّ لمّا كان الحسّ تصرفه فيما هو من عالم الخلق ، والعقل تصرفه فيما هو من عالم الأمر ، فما هو فوق الخلق والأمر فهو محتجب عن الحسّ والعقل جميعا ، ولا شكّ أنّ كلام اللّه من حيث هو كلامه قبل نزوله إلى عالم الأمر - وهو اللوح المحفوظ - وقبل نزوله إلى عالم السماء - وهو لوح المحو والإثبات وعالم الخلق - له مرتبة فوق مرتبة الخلق والآمر جميعا ، فلا يتلقيه ولا يدركه أحد من الأنبياء إلّا في مقام الوحدة الإلهية عند تجرّده عن الكونين - الدنيا والآخرة - وعروجه وخرقه العالمين - الخلق والأمر - . كما قال أفضل الأنبياء : « لي مع اللّه وقت لا يسعني فيه ملك مقرّب ، ولا نبيّ مرسل » . فإذا تقرّر هذا ثبت إنّ للقرآن منازل ومراتب ، كما للإنسان درجات ومعارج . فلا بدّ لمسّ القرآن في كلّ مرتبة ودرجة من طهارة وتجرّد عن بعض العلائق ، فالضمير في
لا يَمَسُّهُ
إن كان عائدا إلى المصحف الذي بأيدي