بالفعل من تحصيل اليقين بإقامة الحجج والبيّنات المحكمات والبراهين الباهرات - سواء كان من أصحاب القوة البعيدة لتلك الإقامة ، أو من أرباب الاستعداد والمكنة القريبة من الفعلية .
والحق أن ذلك كذلك كما استقرّ عليه رأى المحققين المحقين من أفاضل علماء الملة البيضاء وأكابر حكمائهم وأفاخم عرفائهم ، فاحتفظ بهذا .
والمراد من الاعتقاد الجازم باليوم الاخر قبل أن يتحقق ويتنور قلب المؤمن بنور اليقين هو عقد القلب على اختيار الطريقة البيضاء ، والتمسك بعروتها الوثقى على وجه الرسوخ والطمأنينة بحيث لا يضعف ولا يتضعف عند سنوح الشبهات وورود التشكيكات وخطور الوساوس الشيطانية ، ولن يزلّ قدم ذلك العقد والانعقاد ولا يتزلزل في سيره وسلوكه سبيل الرشد والرشاد بصدمة ورود الشبهات ونزول التشكيكات المشتملة على ضرب من المغلطة ونوع من المغالطات .
فيمضى في سلوكه حيث يؤمر ، ولا يلتفت بوجهه المتوجه إلى الحق عن ذلك التوجه أصلا طلبا لانفتاح البصيرة وتنورها بنور العلم واليقين ، طالبا للحق وانكشافه بالبرهان المبين ، حسبما قال عز من قائل :
وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا
[ 29 / 69 ] و « السبل » هي البراهين الموصلة إلى نور اليقين كما قال :
وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ
[ 15 / 99 ] و « العبادة » هي التقرب والسير والسلوك من عالم الظلمة والزور ودار البعد والدثور إلى عالم القرب والرحمة والنور - سواء كان ذلك السير والسلوك علميا أو عمليا ، والعلمي منه أيضا عمل إذ الايمان كله عمل .
وهذا النحو من الاعتقاد الراسخ قبل الوصول إلى الفتح المبين وحصول نور الإيقان واليقين ، وهو ملاك الايمان المعتبر في قبول الطاعات وصحة العبادات