في معناها ، بل لينظر الإنسان إلى النطفة التي منها بدء خلقه ، فيعلم انها مادة قذرة لو تركت ساعة ليضربها الهواء فسدت وتفّتت ، وتفكر في أنها كيف أخرجها ربها رب الأرباب من بين الصلب والترائب ، ولولا عنايته وجوده في حق هذا المولود فمن الذي أخرجها ونقلها في أطوارها ، ثم في أنه كيف جمع بين الذكر والأنثى وألقى المحبة بينهما ، بل كيف جمع بين الأجداد والجدات وألقى المحبة بينهم والألفة في قلوبهم وكيف قادهم بسلسلة المحبة والشهوة إلى هذا الاجتماع .
ثم كيف استخرج النطفة عن الرجل بحركة الوقاع ، وكيف استجلب دم الحيض من أعماق العروق وجمعها في الرحم ، ثم كيف خلق المولود من النطفة وسقاه بدم الحيض وغذاه حتى نما وتربى وكبر ، وكيف جعل النطفة وهي بيضاء علقة وحمراء ، ثم كيف جعلها مضغة ، ثم كيف قسّم أجزاء النطفة وهي متشابهة ومتساوية إلى العظام والأعصاب والعروق والأوتار واللحم ، ثم كيف ركب من اللحم والعظم والأعصاب والعروق وغيرها من الأعضاء الظاهرة المتشكلة بأشكال مختلفة ، فدور الرأس وشق السمع والبصر وسائر المنافذ ، ثم مدّ اليد والرجل وقسم رؤوسها بالأصابع ، وقسم الأصابع بالأنامل ، ثم كيف ركب الأعضاء الباطنة من القلب والمعدة والكبد والطحال والرئة والرحم والمثانة والأمعاء ، كل واحد على شكل مخصوص ومقدار مشخص لعمل معين ثم كيف قسم كل عضو من هذه الأعضاء بأقسام : فركب العين من سبع طبقات لكل طبقة وصف مخصوص وهيئة مخصوصة لفائدة معينة بحيث لو فقدت طبقة منها أو زالت عن موضعها ووصفها لعطلت العين .
فلو ذهبنا نصف في آحاد هذه الأعضاء وأقسامها وأقسام أقسامها وفوائدها وغاياتها لانقضت الاعمار دون وصف عشر عشير من الأعشار .
فقد عجب اللّه تعالى من حال من كان أوله وأصله على هذه المهانة والخسة
تفسير القرآن الكريم — صفحة 342
مساهمون: محمد خواجوى
ص٣٤٢