وقرئ « أنّا » - بفتح الهمزة - ولا ضير فيه كما توهم ، لأنه اما على حذف لام التعليل وهو شايع في القرآن والحديث ، وقياس مطرد في الكلام دائر على ألسنة الفصحاء ، وعلى هذا يكون معناه ومعنى « انا » - بالكسر - واحدا ، وكذلك في التلبية من قوله صلى اللّه عليه وآله وسلم : « ان الحمد والنعمة لك » روى بعضهم الكسر في « ان » وبعضهم الفتح فيها ، والمعنى لا يتغير ، لان كلاهما تعليل واما على أن يكون بدلا من « قولهم » كأنه قيل : « فلا يحزنك أنا نعلم ما يسرون وما يعلنون » وهذا المعنى محتمل مع الكسر أيضا إذ جعلت الجملة مفعولة للقول .
وعلى أي الوجهين - من الكسر والفتح - فالمعنى المختار هو انه لا يحزنك قولهم ، ولا يهمك تكذيبهم وإذا هم وجفاؤهم ، فانا عالمون بما يسرون من عداوتهم وما يعلنون من انكارهم ، فنحن مجازون إياهم عليهما ، فحق مثلك أن يتسلى بهذا الوعيد لأعدائه ويستحضر في نفسه صورة حاله في الدنيا وحالهم في الآخرة حتى يرتفع عنه الهموم ، أو يتصور صورة حاله في الآخرة وحالهم في الدنيا كيلا يرهقه الأحزان .
فتعلق الحزن بكون اللّه عالما وعدم تعلقه لا يدوران على كسر « ان » وفتحها كما توهم ، وانما يدوران على التقدير ، فان فتحت « أن » فتقدر معنى التعليل ولا تقدر البدل ، وإذا كسرتها فتقدر التعليل ولا تقدر المفعولية ، حتى تنجو من المعنى المعطى للكفر باعتقادك ، على أن نهى رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله عن الحزن على كونه تعالى عالما بسرهم وعلانيتهم ليس مما يوجب شيئا نكرا ولكن من قبيل قوله :
فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيراً لِلْكافِرِينَ
[ 28 / 86 ]
وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
[ 10 / 105 ]
وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ
[ 28 / 88 ] .