يشاهدون اشتغال الخلق بطلب ما هو سبب النكال والوبال ويتعجبون من شعفهم بصحبة المؤذيات ، وسعيهم في خدمة العقارب والحيات ، وتسميتهم لها من الحظوظ واللذات ، وطاعتهم للكلاب والذئاب وعدّهم لها من جملة الأصحاب والأحباب ، ويشاهدون عجائب عديدة وغرائب كثيرة :
منها : أن رجلا يعيش في قعر بئر مظلم في مزبلة ، عليها سماد طرية ، « 1 » وجيف منتنة ، يأكل الدم والصديد والقاذورات ، ويشرب الحميم والزقوم ، وأكثر طعامه من غسلين وشرابه من أبوال الحيوانات ، ويعاشر مع امرأة قبيحة منتنة ركيكة مريضة ، عليها أوجاع وجراحات لا تحصى ، ويتغنى الرجل في جلود غير مدبوغة بألحان غير موزونة ، يصف بها حسن امرأته ، وهو بنفسه يضرب الدف ويرقص فرحا ويسئل اللّه أن يثبته على هذه الحالة أبدا .
ومنها : ان رجلا ضعيفا عاجزا به أمراض وجراحات ومحن لا تحصى في خربة من المغازة [ المفازة - ن ] المنقوشة ، يدعي أن تلك الخربة عمارات ، وتلك الجراحات راحات ، وتلك النقوش والصور خدمه وحشمه ، وهو ملك عظيم قدير يفعل ما يشاء ، وبيده ملكوت الأشياء وعنده حقائق الانباء .
فأنتبه يا نائم ، واستقم يا هائم ، واعتصم بحبل اللّه المتين ليصعدك من مهوى عالم الشياطين - العارفين بعلم السيمياء ، القادرين على إرائة الأشياء لا على ما هي عليها - لعلك تنجو من عذاب أليم وتصل إلى الرضوان والنعيم .
قوله سبحانه : [ سورة يس ( 36 ) : آية 76 ]
فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ ( 76 )
قرئ « فلا يحزنك » - بفتح الياء - من « حزنه » وبضمها من « أحزنه » .
هامش
( 1 ) - السماد : ما تصلح به الأرض من العذرة والزبل ليجود نباته .