- وهي الجدل والشعر والمغالطة - فلا يفيد شيء منها اليقين ولا الظن الا في قسم من الجدل ، وهو الذي يؤول اما إلى البرهان أو الخطابة ، ولهذا أضافه اللّه اليهما في قوله :
ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
[ 16 / 125 ] وهي المجادلة التي ترجع إلى أحدهما مع عموم اعتراف الخلائق فيه المعتبر في مطلقة .
واما هاهنا لم يعدها من أقسام كتاب اللّه الذي فيه جوامع الكلم وأصول الحكم ، لما عرفت من أن الفائدة فيها من حيث هي مجادلة ليست تكميل النفوس بانفرادها مع قطع النظر عن الهيئة المدنيّة الجمعية ، وانما المقصود الأصلي من الانظار العلمية هو تكميل جواهر النفوس بحسب ذواتها وفيما بينها وبين اللّه مع قطع النظر عن النسب 35 والأوضاع المنقطعة آخر الامر ، لقوله تعالى :
فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ
[ 23 / 101 ]
وفي الحديث : « كل نسب منقطع إلا نسبي » .
وأما الشعر : فلما عرفت من أن مداره على الأكاذيب ومن ثمة قيل : « أحسن الشعر أكذبه » .
وأما المغالطة : فالفائدة فيها تغليط الغير أو الاحتراز عن تغليطه ، ومرتبة النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم ينافي الأول 36 ويتعاظم عن الثاني ، فيستحيل أن يكون النازل عليه شعرا أو مغالطة ، فبقى أن يكون النازل من الأقسام الثلاثة الباقية ، كما دل عليه قوله :
ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ
الآية [ 16 / 125 ] .
وأما الانحصار المستفاد من هذه الآية في الآيتين ، فلما عرفت من رجوع الجدل بحسب الذات إلى أحدهما ، فلا منافاة بين الاثنين ، والدليل على أن الجدل من حيث هو جدل ليس مما له دخل في حصول الهداية العلميّة وتكميل النفوس الآدمية - بل ليس الغرض فيها شيء الا غلبة الخصم والظفر