فيه من غير نفسه المحركة إياه حركة متشابهة مستمرة على نهج واحد .
وان كان جرما مركبا دخانيا تحت كرة النار 28 كما زعمه قوم فهو أيضا غير صحيح لعدم اعتدال فيه يصلح لقبول النفس المدبرة له ، فإنه ان قرب من النار فتحيله بسرعة إلى جوهرها ، وان بعد منها فيكون في حيّز الهواء ، فاما أن يتخلخل فيصعد بحر ، أو تتكاثف فينزل ببرد ، وليس فيه جرم محيط يغلب عليه من الصلابة واليبس ما يحفظه من التبدد ويحرسه عن ممازجة غيره به ، كما للجوهر الدماغي فينا ، ليتعين فيه محل التخيل بتشكلاته ، ولا بد من جوهر يابس لينحفظ فيه الصور ، ورطب ليقبل .
ثم لما كانت النفوس المفارقة عن الأبدان الانسانية غير متناهية عندهم ، لزم مما ذكروه اجتماع المفارقات كلها على جسم من أجسام العالم ، فيلزم اما نهاية تلك الجواهر أو عدم نهاية ذلك الجسم ، وكلاهما محال فلا يستتم ما قالوه ولا يستقيم ما تصوروه من كونها مما يتعذب به الأشقياء .
وكما لم يجز ذلك في الجرم الفلكي ، فكذلك لا يصح في جرم ابداعى غير منخرق منحصر نوعه في شخصه كما توهموه بل هذا الجرم أيضا كما فرضوه له طبيعة خامسة فلكية وان كانت تحت كرة القمر للزوم كونه غير مستقيمة الحركة بل ذا حركة مستديرة دائمة يخرج بها أوضاعه وكمالاته من القوة إلى الفعل ، وسائر صفات الأفلاك على رأيهم ، ولعل عدد نفوس الأشقياء غير متناه على رأيهم كما مر ، فكيف يكون جرم دخاني متناه موضوعا لتصرفاتها وصورها الادراكية الغير المتناهية ، إذ لا أقل من أن يكون فيه بإزاء تعلق كل نفس وكل ارتسام صورة فيها قوة واستعداد لها ، فيلزم أن يكون جرم واحد ذا قوة غير متناهية مجتمعة ، وذلك معلوم الفساد .
بل الحق أن الصور الملذة للسعداء والمؤذية للأشقياء في النشأة الثانية -
تفسير القرآن الكريم — صفحة 208
مساهمون: محمد خواجوى
ص٢٠٨