مرآة أخرى مع عينك التي هي أيضا مرآة في تصرف النفس بعلاقة طبيعية ، وليس الجرم الفلكي أو ما يجري مجراه مما يؤثر فيه شيء من النفوس الا نفسه الفائضة عليه من مبدئه وقد تقرر عندنا أن الاجرام العلوية ليست مطيعة لغير مباديها الذاتية وهي ملائكة السماوات بأمر ربها ، ولا قابلة للتأثيرات الغريبة من القواسر ، وليست لتلك النفوس المفارقة عن هذه الأبدان أبدان أخرى ، حتى تكون لأبدانها بالقياس إلى تلك الاجرام العلوية علاقة وضعية لتصير هي كمرآة لتلك النفوس يشاهدون ما فيها من الصور .
وعلى تقدير صحة كونها مرائي يكون الصور المرتسمة في مرائيها هي تخيلات الأفلاك وما في حكمها ، لا تخيلات تلك النفوس ، فكيف يجوزون أن يكون تلك الصور مما يتلذذ به السعداء أو يتعذب به الأشقياء ؟ كيف والصور المؤلمة لهم - على ما اعترفوا به - ليست إلا هيئاتهم الردية وتخيلاتهم النفسانية المشوشة الباطلة ، وعقائدهم الوهمانية الخبيثة الفاسدة ، دون الصور المطابقة لما هو الواقع ، لان الكائن في القابل الذي هو في غاية الخلوص والنقاء - كالاجرام العالية - من الفاعل الذي في غاية الشرف والبهاء - كالمبادي العقلية - لا يكون الا صورا علمية مطابقة لما هو عليه الامر في نفسه .
ثم من المعلوم أن علاقة الجوهر الروحاني بجرم انما هي لنسبة طبيعية بين مادته البدنية وبين الجوهر الروحاني ، فأيّة نسبة حدثت بينهما بالموت حتى أوجبت اختصاصه به وانجذابه من عالمه اليه دون غيره من الاجرام ؟ بل إلى حيّزه دون بقية الاحياز من نوع ذلك الجرم ؟
ثم إن الجسم الذي هو موضوع التخيلات يجب أن يتصرف فيه النفس ويحركه بحركات جرمية ، تابعة للحركات النفسانية وإراداته الفكرية ، كما يعرض لجوهر الدماغ من الانفعال والتغيرات ، وظاهر أن الجوهر الفلكي يأبى عن تصرف
تفسير القرآن الكريم — صفحة 207
مساهمون: محمد خواجوى
ص٢٠٧