تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم — صفحة 204

مساهمون:

ص٢٠٤
للصور . وقد أشرنا إلى أن نزول الشيء عن فطرته يكثّره ويضعفه ، فهذه الحواس على كثرتها كأنها هي صفات النفس الموجودة في ذاتها بوجود واحد تشعّبت وتكثرت في البدن ، والضعف مما يوجب التكثر والانقسام ، كالنبض يتعدد ويتواتر عند ضعفه ، فإذا رجعت النفس إلى فطرتها وذاتها من هذا العالم صار إدراكها للأشياء عين قدرتها عليه ، فيكون علمها فعلا وحسها قدرة ، وكلما كانت أتم قوة وأقوى تجوهرا وأقل مزاحمة من قواها وشواغلها كانت ملاقاتها للصور الغيبيّة ومشاهدتها إياها وترتب آثار الوجود على صورها المشهودة الذاذا أو ايلاما أكثر . وربما كانت قوة بعض النفوس لغاية جلالتها وقربها من الحق سبحانه بحيث تفي بضبط الجانبين وتسع للتصرف في النشأتين ، فكانت مع تعلقها بهذا البدن مشاهدا لعالم الآخرة ، وذلك لنفضهم غبار هذه المحسوسات عن أذيال نفوسهم ، وعدم التفاتهم إلى صور هذه الدار الا بعين الاحتقار ، فلا يشغلهم شأن عن شأن ولا يحجبهم منزل عن منزل ، ولا يلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر اللّه وتذكر الأمور الأخروية ، فهي كالمبادئ الفعّالة ذاتا وصفة وفعلا فتقدر على إيجاد الصور وإنشاء الأعيان وذلك لظهور سلطان الآخرة على قلوبهم وقيامهم إلى اللّه عن هذه القبور البالية . فهذه أنموذج لمعرفة أحوال الآخرة وما يراه الإنسان من الصور الملّذة أو المؤذية الموعودة أو المتوعّدة عليها في الجنة والنار ، ويعلم منه كيفيّة إحضار كل ما يشتهيه ويدعيه أهل الجنة في الجنة المشار اليه في هذه الآية في قوله :
« وَلَهُمْ ما يَدَّعُونَ »
.