سلك سبيل سيرها ودرجات قربها من الرحمان ، إلى أن بلغت أشدها العقلي ورشدها المعنوي ، فإذا رفع الحجاب وكشف الغطاء كانت كل واحدة منها في مرتبتها التي بلغت إليها طرفة عين .
وانما الغرض الأصلي من إرسال الرسل وانزال الكتب ، الاعلام والتأكيد لأهل الهداية ، وزيادة التشويق والترغيب والانذار والترهيب لهم ، وإبلاغ الحجة على أهل الشقاوة والجحود ، وزيادة الابعاد والطرد والحجاب فيهم ، فان التعليم والإرشاد لا يوجب لأهل النقمة إلا غيّا وضلالا ، كما أن الماء الصافي لا يزيد في الجيفة الا تعفينا وإفسادا ، كقوله تعالى :
يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ
[ 2 / 26 ] وكقوله تعالى :
لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ
[ 8 / 42 ] .
فقوله : « اتقوا » خطاب المشركين أو لجميع المكلفين ، الا أن السامع لهذا الكلام والمطيع له من عرف نهاية حال الواغلين في الشهوات ووخامة عاقبة المتلذذين بهذه المزخرفات وأما الجهال والمنافقون فشأنهم الاعراض عن سماع هذه الآيات والاستهزاء بمن أتى بالحجج والبينات ، كما دلت عليه هذه الآية وما يتلوها كناية وتصريحا .
وقوله :
« ما بَيْنَ أَيْدِيكُمْ »
إشارة إلى الصورة المؤلمة التي تشاهدها الأشقياء في القبر والقيامة ، وعند البعث والحشر ، وعند الصراط والسياق إلى الجحيم .
وقوله :
« وَما خَلْفَكُمْ »
إشارة إلى الاعمال والافعال القبيحة المؤدية إلى الملكات والأخلاق الردية في عالم القلب الإنساني ، المنكوس إلى السفل ، المنتجة في عالم الآخرة إلى الصورة المؤلمة الموحشة المعذبة من النيران والجحيم وسلاسلها وأغلالها وحميمها وزقومها وعقاربها وحيّاتها وو هداتها .