بحر الطبيعة بأمر اللّه مدة من الزمان بمقتضى المشيّة وتشعّبوا القول فيها ، وما بلغ إلينا من أكابر العلماء ، واطّلعنا بمطالعة زبر القدماء من الحكماء ، وألهمنا اللّه بحسب متابعتنا طريقة الأنبياء والأولياء هو ان لكل نفس من النفوس مرتبة من الفعلية والكمال في الوجود ونصيبها اللائق بحالها من خزائن الرحمة والجود ، ولا يمكن الزيادة عليه حسب ما جبّل عليه وفطر بحسب هويتها الشخصيّة من جهة الفاطر الودود ، وهو لسان عبادتها وتسبيحها للحق المعبود .
وسبب تعلقها بالبدن استخراج ما في مكمن ذاتها ومخزن هويتها من القوة إلى الفعل والتحصيل ، واستكمال جوهرها بالكمال اللائق بحالها من تكرار الأفاعيل ، وهذه المرتبة من الكمال الإضافي الوجودي المختص بواحد واحد من أفراد النفوس غير ما يمكن حصوله لطبيعة هذا النوع الانساني الذي هو الغاية القصوى في الكمال ، ولطبقة خاصة من أفاضل أفراده المقربين من الحق المتعال ، ولا ينافي 14 أيضا ما ذكرناه شقاوة أكثر الناس من الكفارة والجهال وأصحاب الشمال ، وحرمانهم وطردهم وبعدهم من رحمة اللّه المختصة بحال الكاملين في المعرفة والحال ، المقربين والسعداء المرتفعين عن مهابط الأرذال .
ولما سبق وثبت في صدر هذه الآية ان « الذريّة » إشارة إلى الأرواح الانسانية ، و
« الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ »
إلى البدن المملو من القوى والمشاعر الحسية وقوله :
« وَخَلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ »
إشارة إلى البدن الأخروي البرزخي المثالي ، فنقول :
ان النفوس المتعلقة بهذه الأبدان العنصرية ، الراكبة على السفن الجارية في بحر عالم الطبيعة منقسمة إلى أقسام ثلاثة :