وكفى في اثبات هذه الدعوى على المنكرين ما وقع في بعض خطب امام الأولياء وسيد الأوصياء أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه وآله من الرب الأعلى من
قوله : « فملأهن أطوارا من ملائكته ، فمنهم سجود لا يركعون وركوع لا ينتصبون [ وصافون لا يتزايلون ] « 1 » ومسبّحون لا يسأمون لا يغشاهم نوم العيون ولا فترة الأبدان ولا غفلة النسيان »
« 2 » .
ثم ما الباعث لجحود أهل الحجاب الا ما شاهدوا من هذه الحيوانات العصبيّة اللحمية المأنوسة لهم من الكلاب والذئاب أنها ليست الا ذوات رؤوس وأذناب ، بل لم يتوهموا نفوسهم الا هياكل محسوسة متكثرة الأدوات مركّبة من القوى والآلات ، ولم يعلموا انها غير داخلة في مفهوم الحي الدراك فمنعوا من اطلاق الحياة على ما في الأفلاك ، ولو تأملوا قليلا لعلموا أن نفوسهم التي بها أنانيتهم ومنشأ جحودهم لهذا القول حية قائمة غير ذات رأس وذنب وشهوة وغضب ، فتعسا لجماعة جوّزوا الحياة والإدراك لمثل البعوضة والنملة فما دونها ولم يسّوغوا للاجرام الشريفة الالهيّة والبدائع اللطيفة النورانيّة .
وقد عظم اللّه أمرها في كتابه الكريم ، فكم من سورة يشتمل على تفخيم السماء والنجوم وخصوصا النيّرين وبعض السيّارات ، وكم من آية تشتمل على القسم بها وبمواقعها ، كقوله :
وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ
[ 85 / 1 ]
وَالسَّماءِ وَالطَّارِقِ * وَما أَدْراكَ مَا الطَّارِقُ * النَّجْمُ الثَّاقِبُ
[ 86 / 1 ]
وَالشمس وَضُحاها * وَالْقَمَرِ إِذا تَلاها
[ 91 / 1 ]
فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ * الْجَوارِ الْكُنَّسِ
[ 81 / 15 ]
وَالنَّجْمِ إِذا هَوى
[ 53 / 1 ]
هامش
( 1 ) - الزيادة من نهج البلاغة .
( 2 ) نهج البلاغة : الخطبة الأولى .