للعشرة من حيث أنّها عشرة ، فهيهنا شيئان « الكثرة وموضوعها » فالكثرة للموضوع والوحدة لتلك الكثرة ، فوحدة الكثرة لا يتناقض تلك الكثرة لعدم اتّحاد الموضوع ، بخلاف وحدة موضوع الكثرة فإنها تنافي كثرته مع اتّحاد الزمان ولا تنافي وجوده ، فثبت المغايرة بين الوجود والوحدة .
فنرجع ونقول : قد مرّ أن الوحدة كالوجود على أنحاء شتّى ، وكل وحدة خاصة يقابلها كثرة خاصة ، والوحدة المطلقة يقابلها الكثرة ، كما أن الوجود الخاصّ الذهني أو الخارجي يقابله العدم الذي بإزائه ، والعدم المطلق بإزاء الوجود المطلق ، والدعوى أن وحدة ما عين وجود ما بأيّ اعتبار أخذ .
فإذا تقرّر ذلك فنقول ما ذكره لا يدلّ على مغايرة الوحدة المطلقة للوجود المطلق ، إذ الكثير المقابل له مما لا وجود له أصلا ، لأن كل موجود فله جهة وحدة ولو بالاعتبار ، فموضوع الكثرة - كالرجال العشرة مثلا من حيث كونهم عشرة - ليس لهم وجود غير وجودات الآحاد ، إلا بالاعتبار العقلي ، لا في الخارج ، وإلا لم ينضبط شيء من التقاسيم ، إذ كل ما ينقسم إلى شيئين اثنين فإذا كان موضوع الاثنينية موجودا يكون منقسما إلى ثلاثة أشياء ، وهكذا ولم ينحصر أيضا المقولات في عشر ، إذ موضوع هذه العشرة لو كان موجودا خارجيا لكان مقولة أخرى غير إحدى المقولات العشر ، فقد علم أن الكثير من حيث الكثرة لا وجود له إلا في الاعتبار العقلي ، وكما أن للعقل أن يعتبره موجودا فله أن يعتبره شيئا واحدا - فأتقن في هذا المقام لأنه مما زلّت فيه الأقدام .
إذا تقرر ما ذكرناه فنقول : إن الواحد الحق لكونه مبدأ سلسلة الممكنات يجب أن يكون وحدته هي الوحدة الحقيقة بالمعنى الأخص : بمعنى أن ذاته نفس حقيقة الوحدة بلا شوب كثرة واثنينية ، إذ لو كانت الوحدة عارضة
تفسير القرآن الكريم — صفحة 68
مساهمون: محمد خواجوى
ص٦٨