إلى الجهل بوضع شيء بعينه مع نقيضه ، ومتفاوتة مراتبها بحسب مراتب سرعة التأدية وبطؤها ، وطول مسافة المقدمات وقصرها إلى النتيجة ، فالرسوخ في الجهل يتحقّق إمّا بعدم التفطّن بفساد الشيء البيّن الفساد مع الإصرار به - وهذا هو الغاية - أو بعدم العلم باندراج الأكبر للأصغر مع قلّة الحدود والوسائط بينهما مع اعتقاد نقيض النتيجة ، وفي مقابله « الرسوخ في العلم » وهو سرعة التفطن بالنتيجة مع كثرة الحدود والمبادي الذي يقال له « الحدس الشديد » وغاية القوّة القدسيّة التي للأنبياء والأولياء .
وعدم الرسوخ في كلّ منهما يعرف بمعرفة الرسوخ فيه ، إذ مراتب كل منهما - لكونهما وجودين متقابلين - مختلفة شدة وضعفا ورسوخا وفتورا .
وأما بيان الثالث فلأن « القيّوم » لكونه صيغة مبالغة يدلّ على كمال الاستقلال في التقويم والإيجاد شدّة وعدّة ، فلو كان في الوجود فاعل آخر - سواء كان تامّا في الفاعلية أو ناقصا ، مبائنا أو مشاركا للأول - يلزم خلاف المفروض وهو كونه تعالى ضعيفا في الفاعلية ، قاصرا فيها .
أما على تقدير كون الثاني تامّا في الفاعلية والإيجاد ، فلأنه يلزم أن يكون بعض الممكنات خارجا عن صنعه وإيجاده ، فلم تكن قدرته شاملة له لامتناع توارد العلّتين المستقلتين على معلول واحد معيّن ، فيكون عدد مقدوراته ناقصا يمكن الزيادة عليه ، فلم تكن قيّوميته في الغاية بحسب العدد .
وأما على تقدير كون الثاني مشاركا له في الفاعلية - سواء كان جزءا أو معينا ، أو معدّا ، أو آلة ، أو سببا غائيا ، أو مصلحة ، أو انتظارا لفرصة ، أو غير ذلك - لم يكن بحسب ذاته قويا ( قيوما - ن ) على ما يقوى عليه ذاته مع الشريك وهو أحد الأمور المذكورة أي أمر كان منها .
تفسير القرآن الكريم — صفحة 57
مساهمون: محمد خواجوى
ص٥٧