في الحسيات ، والفرق بين القبيلتين بعد كون أحدهما عقليا والآخر حسيا ، كما ذكره بعض المحققين : أن الأذى واللذة في الدغدغة متبائنان وجودا - وإن كان الحسّ لا يميّز بينهما لتعاقبهما - وهاهنا هما متحدان وجودا .
فهاتان المرتبتان لأهل السعادة :
الأولى منهما للمقرّبين الذين يقال لهم « أهل اللّه » والثانية لأصحاب اليمين الذين يقال لهم « أهل الفضل والثواب »
الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ
للجنة راجين لها راضين بها
وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً
من ثمرات أعمالهم ونيّاتهم على تفاوت درجاتهم
وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا
.
ومنهم أهل الرحمة الباقون على سلامة نفوسهم وصفاء قلوبهم بحسب الفطرة الأصلية من غير أن يفظظها مباشرة الأمور الأرضية الجاسية ، المتبوءون درجات الجنان لا علي حسب كمالاتهم من ميراث عملهم - بل على حسب استعداداتهم من فضل ربهم ورحمته التي يكفى لها مجرد صفاء القابل وعدم المنافي - .
وبعد هاتين المرتبتين مرتبة نفوس متردّدة بين جهتي الربوبية والسفالية وهم الذين
خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً
وهم قسمان :
إما المعفوّ عنهم رأسا لقوة اعتقادهم وعدم رسوخ سيّئاتهم - إما لقلّة مزاولتهم إياها ، أو لمكان توبتهم عنها -
فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ
.
وإما المعذّبون حينا بحسب ما رسخ فيهم من المعاصي حتى خلصوا عن درن ما كسبوا فنجوا ، ويقال لهم أهل العدل والعفات ( العقاب - ن )
وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هؤُلاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا
لكن الرحمة تتداركهم وتنالهم بالآخرة فهذه المراتب الثلاثة الكلية على حسب تفاوت درجات النفوس الواقعة في كل مرتبة منها لأصحاب الجنان على تفاوت مراتبهم في القرب من الرحمن