والعملي - كضرب من الأنبياء والأولياء المطهّرين صلوات اللّه عليهم أجمعين على تفاوت مراتبهم في قصر النظر إليه وعدم الالتفات إلى غيره .
فأجلّهم مرتبة وأحبّهم للّه عشقا من لا التفات له إلى ذاته العارفة بالحقّ ، المزيّنة بنور اللّه من حيث هي الذات ، فضلا عن التفاته إلى غيرها ، فإن الالتفات إلى غير اللّه - وإن كان هو من الذات العارفة - بون وهجران ، وإيثار العرفان من جهة كونه عرفانا - وإن كان بالحق - بعد وحرمان ، وقصر النظر والالتفات إلى المعروف به فقط دون غيره وصال وجنّة ورضوان .
وبعد هذه المرتبة العشاق المشتاقين من أهل العرفان والايمان ، كملائكة اللّه العمالة المدبّرة للأجسام ، والنفوس الكاملة من الإنسان ، أما العشق فلعرفانهم وكمالهم ومنزلتهم وحالهم ، وأما الشوق المستلزم لنار الحرمان وعذاب المفارقة ، فلبقايا وجودهم والتفاتهم إلى غير اللّه ، وبقايا قصوراتهم الإمكانية المقتضية للتعلقات بالأجرام .
فهم لأجل عرفانهم وايمانهم سكنوا درجات الجنان واختلفوا في مراتب القرب من الرحمن بحسب مراتب عرفانهم قوة وضعفا ، ولأجل قصور ذواتهم عن تمام روح الوصال تأذوا أنواع أذى ، إلا أنهم حيث تنورت عقولهم بالمعرفة والايمان ، ولم يتكدر ذواتهم بالجهل والعصيان ، ولم يحتجبوا بظلمة الظلم والطغيان ، لم يكن لهم أذى أليم ، بل أذاهم أذى لذيذ ، لكونه من قبل معبودهم وهم عارفون بأن الأذى من قبله ؛ والعاشق إذا علم يقينا أن ما يناله من الأذى مما حصل من جهة ( قبل - ن ) معشوقة يفرح به ، ويكون عين الأذى لذيذا عنده لأنه يتصوّر وصول أثر المعشوق به إليه ، و « وصول الأثر أثر الوصول » كما قيل .
وقد مثّل بعض العرفاء هذا الأذى اللذيذ في العقليات بأذى الحكمة والدغدغة
تفسير القرآن الكريم — صفحة 266
مساهمون: محمد خواجوى
ص٢٦٦