البصيرة الثالثة في تمهيد ما أصّلناه وإجمال ما فصّلناه
اعلم أن صيرورة أرواح الكفّار من أصحاب النار بعد ما لم يكونوا منها من جهة الفطرة الأصلية يتوقّف تحقيقها والعلم بها أولا على معرفة حقيقة النار والجنّة ، ثم على حقيقة أصحابها وأربابها ، ثم على كيفية انقلاب النشأة الإنسانية من أصل فطرتها إما إلى فطرة الشياطين والسباع والبهائم ، أو إلى فطرة الملائكة والحور والغلمان .
وهذه أصول لا ينكشف حقائقها لأحد إلا الخواصّ العرفاء من الأولياء ، فلنذكر نبذا منها وجملة من ماهيتها ومعرفتها على الكشف والتحقيق من علامات أولياء اللّه التي بها يمتازون عن غيرهم ، فإن معرفة الملائكة وكيفية إلهامها ومعرفة الشياطين وجنودها وكيفية وسواسها من لطائف علومهم ودقائق معارفهم التي لا خبر عند غيرهم إلا بنور متابعتهم ، كما قال اللّه تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ * وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ
[ 7 / 201 - 202 ] .
كما أن من علاماتهم ودقيق علومهم ولطيف أسرارهم التي يمتازون بها عن غيرهم معرفة البعث والنشر والقيامة والحشر ، والحساب ، والميزان والصراط والجواز ، وذلك لأن أكثر علماء المذاهب وفقهائها ومتكلميها المتعبدين فيها متحيّرون في معنى الإبليسية وحقيقة إبليس المخاطب ، وأكثر المتفلسفة منكرون قصته مع آدم وعداوته وخطابه مع رب العالمين ومواجهته إياه بخشونة الخطاب مما ذكر في القرآن .