في أن الانقياد والتسليم لما أتى به الأنبياء والأولياء صلوات اللّه عليهم والتعويل على الفؤاد أدنى إلى النجاة من الفطانة البتراء للعقول المحتجبة بالبصيرة الحولاء .
ولا يبعد أن يكون قوله :
فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ
إشارة إلى ترك التعويل بسبب الاعتماد على فطانة العقل المشوبة بالهوى ، المنبعثة عن غلبة القوّة الوهمية فيكون هذا - أي الوهم - أحد معاني الطاغوت ، ويكون الاستمساك بالعروة الوثقى إشارة إلى هذا الانقياد والتسليم والمتابعة للأنبياء والأولياء عليهم السلام ، والتعويل عليهم في أمر الدين وخصوصا فيما أفادوا من قبل اللّه في أمر المعاد حيث لا سبيل للعقل بقوته الفكرية إلى شيء منه .
تتمّة
وقال بعض أرباب القلوب ( العقول - ن ) : إن عروة الوثقى لكل طائفة من المؤمنين شيء آخر : للعوام التوفيق للطاعة ، وللخواصّ مزيد العناية بالمحبة كما في قوله :
يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ
[ 5 / 54 ] ولخاصّ الخاصّ جذبات الألوهية التي تنفيه عن الظلمات الوجودية بنور الربوبية ، كما شرح اللّه تعالى حقيقة الآية بتاليها ، والمراد به أن السالك يبلغ عقيب الرياضات والأربعينات إلى مقام من مقامات الفناء والبقاء ، لا يمكنه الرجوع منه ، فلا يجرى عليه أحكام تلوّنات الرد والقبول ، ولا أقسام تغيّرات الفراق والوصال ، بل يكون مستهلكا عن الناسوتية ، متمكّنا في اللاهوتيّة ، فالعروة الوثقى التي لا انفصام لها على الحقيقة والتمام هي هذه الجذبة الإلهيّة التي أشير إليها
في الحديث النبوي صلى اللّه عليه وآله : « جذبة من جذبات الحقّ توازي عمل الثقلين »
إذ الثقلان وأعمالهما جسمانيّة فانية من عالم الحدوث ، وجذبة الحق روحانية باقية في ( من - ن ) عالم القدم ، فلا يجوز عليها الانفصام والانقطاع والنفاد ، فالمجذوب لا يتخلص منها أبد الآباد » .