الرشحة الثالثة في تحقيق معنى « التبيّن » في هذا المقام
اعلم أن معنى
« تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ »
تميّز الحق من الباطل ، والايمان من الكفر بحسب الواقع وبما يلزم من الحجج والبيّنات الدالّة والبراهين الواضحة عند من نظر وتدبّر في تلك الأدلة والبراهين ، لا أن كل مكلّف تنبه به ، لأن ذلك خلاف ما هو المعلوم من حال أكثرهم ، لأنهم إما جهّال محضة وإما مقلّدون - والمقلّد كالجاهل في عدم كونه عارفا بصيرا ، ويمتاز عنه في كونه معتقدا ، ودرجة المعرفة فوق الاعتقاد ، لأنها ممّا يحصل معها الانشراح الباطني والمشاهدة المعنويّة دون اعتقاد المقلّد ، إذ لا انشراح ولا اطمينان معه للقلب ، وإنما الفائدة فيه مجرد الاتّباع للقائد العارف في صورة الأعمال الشرعيّة والأوضاع الدينيّة ، الموجبة لرياضة القوى البدنيّة ، وتطويع النفس الأمّارة لئلا تصول على النفس المطمئنّة .
وبذلك يحصل للنفس الإنساني الامتياز عن سائر النفوس الحيوانية التي لا معاد لها في الآخرة ، وعن النفوس الشقيّة المتمرّدة عن طاعة الشريعة التي لها العقوبة الاخرويّة ، وذلك لأن الاقتداء بأهل الكمال - ولو في صورة الأعمال - مع خلوّ النفس عن رذائل الأوصاف وقبائح الأعمال ، وسذاجة القلب عمّا يضادّ ونيل الرحمة من المبدإ الفعال مع صدق النيّة وصفاء الطويّة : يوجب أن ينال المقتدي نصيبا من السعادة الاخرويّة واللذات الآجليّة التي للعارفين وأن يتنوّر ذاته بنور المتابعة لهم والانخراط في سلكهم ، والاستسعاد بسعادتهم على نهج التبعيّة والعرض - لا على وجه الاستقلال - إذ السعادة الحقيقيّة