تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم — صفحة 173

مساهمون:

ص١٧٣
الطريق إلى اللّه ، فيستحيل الترقّي إلى عالم الآخرة إلا من مثال عالم الدنيا
وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى فَلَوْ لا تَذَكَّرُونَ
[ 56 / 62 ] « من فقد حسّا فقد علما » . والقرآن والأخبار مشحونة بذكر الأمثلة من هذا الجنس الذي مرّ ذكره ، فانظر إلى قوله صلّى اللّه عليه وآله : « 1 » « قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن » فإن روح « الإصبع » القدرة على سرعة التقليب ، وإنّما يكون قلب المؤمن بين لمّة الملك ولمّة الشيطان ، هذا يغويه وهذا يهديه ، واللّه سبحانه يقلّب قلوب العباد كما تقلّب أنت الأشياء بإصبعيك ، فانظر كيف شارك نسبة الملكين المسخّرين إلى اللّه تعالى إصبعيك في روح الاصبعيّة وخالف في الصورة . فاستخرج من هذا ما نقل عنه صلّى اللّه عليه وآله : « 2 » « إن اللّه خلق آدم على صورته » فمهما عرفت معنى الإصبع أمكنك الترقّي إلى القلم ، واليد ، واليمين ، والوجه والصورة ، ووجدت جميعها حقائق غير جسمانيّة متمثّلة بأمثلة جسمانيّة ، فتعلم أن روح القلم وحقيقته التي لا بدّ من ذكره ، إذا ذكر حدّ القلم « هو الذي يكتب به » فإن كان في الوجود شيء يسطر بواسطته نقوش العلوم في ألواح القلوب فأحرى به أن يكون هو « القلم » فإن اللّه
عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ
[ 96 / 5 ] . وهذا هو القلم الروحاني ، إذ وجد فيه روح القلم ولم يعوزه إلا قالبه وصورته ؛ وخصوصيّة المادة - كما مرّ - غير داخلة في حقيقة الشيء ، ولذلك لا يؤخذ في حده الحقيقي ، إذ لكل شيء حدّ وحقيقة وهي روحه ، فإذا اهتديت إلى الأرواح صرت روحانيا وفتحت لك أبواب عالم الملكوت وأهّلت
هامش
( 1 ) مضى آنفا . ( 2 ) البخاري : كتاب الاستئذان ، الباب الأول : 8 / 62 .