وثانيهما انّ للأجرام والأعظام نحوين من الوجود : أحدهما وجود مادي متعلّق بمادّة واستعداد خاصّ . والآخر وجود صوريّ متعلّق بالفاعل غير متعلّق بمادّة قابلة للحركة والفساد .
والذي يراه الإنسان في هذا العالم ويشاهد بحسّه الظاهر على وجهين :
أحدهما الشائع المتعارف الأكثري ، وهو أن يأخذ الحسّ البصري صورة ما يراه وينتزعها من مادّته . والآخر أن ينحدر إلى حسّه من جهة الباطن - وهذا على سبيل الندرة - ومن هذا القبيل رؤية النبي صلّى اللّه عليه وآله وأصحابه تمثّل جبرئيل عليه السّلام لهم بصورة دحية الكلبي ، وهذا باب من المعجزة . وقد يقع لبعض الكهنة وغيرهم من هذا القبيل رؤية بعض الأجسام بأسباب باطنيّة . ولهذا قد يصعب الفرق بين المعجزة والكهانة على النفوس العاميّة .
ومن وقف على حكاية الجوهري رأى عجبا من هذا الباب ، حيث خرج بالعجين من بيته إلى الخبّاز ليطبخ له الخبز في الفرن ، وكانت عليه جنابة ، فجاء إلى شطّ النيل ليغتسل ، فرأى - وهو في الماء - مثل ما يراه النائم ، كأنّه تزوّج في بغداد ، وأقام مع المرأة ستّ سنين ، وأولدها أولادا . ثمّ ردّ إلى حاله - وهو في الماء - ففرغ من غسله ، وخرج ولبس ثيابه وجاء إلى الفرن وأخذ الخبز وجاء إلى بيته وأخبر أهله بما أبصره .
فلمّا كان بعد أشهر جاءت تلك المرأة التي رأى انّه تزوّجها في تلك الحالة تسأل عن داره ، فلما اجتمعت به عرفها وعرف الأولاد وما أنكرهم . وقيل لها : متى تزوّج ؟ فقالت : « منذ ستّ سنين ، وهؤلاء أولاده مني » . فخرج في الحسّ ما رآه في الباطن أوّلا « 1 » .
هامش
( 1 ) هذه الحكاية التي ذكرها المصنف - ره - في مفاتيح الغيب أيضا ( المشهد العشرون من المفتاح العشرون ) أخذها من الفتوحات المكية ( الباب الثالث والسبعون ، السؤال الثاني