والأجود أن يكون معنى الايمان في الأوّل الايمان الظاهري المعروف بين الأمّة ، ومعناه في الثاني هو الايمان الحقيقي الذي هو عبارة عن عرفان اللّه بوحدانيّته وصفاته الإلهية وأفعاله المحكمة ، وعرفان اليوم الآخر ، وحقيقته رجوع الأشياء إليه ، وحشر الإنسان إلى الدار الآخرة - كلّ ذلك على وجه اليقين والتحقيق .
وهذا أمر في غاية العزّة والشرف ، وقلّ من المعروفين بالايمان من تصوّر هذه الأشياء ، تصوّرا حقيقيا ، أو بوجه خاصّ رسمي . والقرآن مشحون بالإشعار بما ذكرناه ، كقوله :
وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ
[ 12 / 106 ] وقوله :
وَما أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ
[ 12 / 103 ] وقوله :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا
[ 4 / 136 ] .
فالإيمان الحقيقي غير الايمان الظاهري المجازي . فعلى هذا لا حاجة إلى حمل قوله :
الَّذِينَ آمَنُوا
على غير طائفة أهل هذه الملّة الإسلاميّة ، بل هذه الأقوال لو ذكرت في قوله :
مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ
لكان أولى بأن يقال : من الذين هم مؤمنوا بني إسرائيل ، ومن هم مؤمنوا قوم عيسى عليه السّلام ، ومن مؤمنوا جماعة الصابئين ومن المؤمن باللّه واليوم الآخر ومن هؤلاء الطوائف ، سواء كانوا في سابق الزمان قبل ظهور الإسلام ، أو في عهد الإسلام . ولكن الايمان بهذا المعنى الحقيقي أمر باطني لا يعرف الموصوف به إلّا اللّه وأنبيائه وأولياءه عليهم السّلام .
ويؤيّد هذا التفسير قول سفيان الثوري ، حيث نقل صاحب الكبير عنه « 1 » :
انّه تعالى لما ذكر في أوّل هذه السورة طريقة المنافقين ، ثمّ طريقة اليهود . فالمراد من قوله : [ تعالى ]
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا
هم الّذين يؤمنون باللسان دون القلب ، وهم المنافقون . فذكر المنافقين ، ثمّ اليهود والنصارى والصابئين . فكأنّه تعالى قال :
« أولئك المبطلون كلّ من أتى منهم بالايمان الحقيقي صار من الفائزين عند اللّه
هامش
( 1 ) تفسير الفخر الرازي : 1 / 549 .