بعضهم مذنبين وبعضهم غير مذنبين ، والمذنب لا بدّ وأن يكون اشتغاله بحطّ الذنب مقدّما على اشتغاله بالعبادة ، لأنّ التخلية مقدّمة على التحلية ، فلا جرم كلّف المذنبين أن يقولوا أوّلا : « حطّة » ثمّ يدخلوا الباب سجّدا . وأمّا غير المذنب ، فالأولى به أن يشتغل بالعبادة ساجدا للّه أوّلا ، ويقول « حطّة » ثانيا 177 . فلمّا احتمل كون أولئك المخاطبين على هذين النوعين لا جرم ذكر حكم كل منهما في سورة أخرى .
وعن السابع : إنّ هاهنا أمران التوبة والعبادة - أعني مفادي لفظتي السجدة والحطّة - وذكر بإزائهما جزاءان : المغفرة والزيادة . فقوله :
نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ
بإزاء التوبة التي هي الحطّة . وقوله :
وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ
بإزاء العبادة التي هي السجدة . فترك الواو يفيد كون كل واحد من الجزاءين متوزّعا على واحد من الشرطين كما في الأعراف ، وإيرادها يفيد كون واحد من الجزاء المجموع الفعلين .
وعن الثامن : انّ في الأعراف لمّا وقع في أول القصّة ما يدلّ على التخصيص والتبعيض ، حيث قال :
وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ
[ 7 / 159 ] فعلم إنّ منهم من هو على هذه الصفة . فلمّا عدّ صنوف إنعامه عليهم وأوامره لهم قال في آخر القصّة :
فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ
فذكر لفظ « من » التبعيض . كما ذكره في أوّل القصّة ، ليكون الآخر مطابقا للأوّل ، فيكون الهادون من امّة موسى عليه السّلام غير الظالمين منهم . وهاهنا لم يذكر في الآيات السابقة ما يدّل على التخصيص ، ولم يذكر إلّا الامّة الجائرة ، فلا حاجة إلى هذا التبعيض .
وعن التاسع : إنّ الإنزال يفيد حدوثه في أوّل الأمر دفعة ، والإرسال يفيد الدوام والاستمرار ، ويشير إلى الاستيلاء عليهم والسلطنة الموجبة لاستيصالهم بالأخرة « 1 » .
هامش
( 1 ) لم يذكر الجواب عن السؤال العاشر ، وجاء في تفسير الفخر الرازي ( 1 / 539 ) في الجواب عنه « انّه تعالى لما بيّن في سورة البقرة كون ذلك الظلم فسقا اكتفى بلفظ الظلم في سورة الأعراف لأجل ما تقدّم في سورة البقرة » .