الواصلة إليه بتوقيعه الذي كتبه بقلمه ، وبالكاغذ الذي كتب عليه ، فإنّه لا يفرح بالقلم والكاغذ ولا يشكرهما ، لأنّه لا يثبت لهما دخلا من حيث هما موجودان بأنفسهما - بل من حيث هما مسخّران تحت قدرة الملك . وقد يعلم انّ الوكيل الموصل والخازن أيضا مضطرّان من جهة الملك في الإيصال ، وانّه لوردّ الأمر إليهما ولم يكن من جهة الملك أمر حتم وقضاء جزم لما سلمّا .
فإذا عرف ذلك كان نظره [ إلى ] الخازن والوكيل كنظره إلى القلم والكاغذ ، فلا يورث شركا في توحيده من إضافة النعمة إلى الملك .
فكذلك من عرف اللَّه وعرف أفعاله علم انّ الشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره - كالقلم مثلا في يد الكاتب - وانّ الحيوانات التي لها اختيار مسخّرات في نفس اختيارها ، فإنّ اللَّه تعالى هو المسلّط للدواعي عليه ، شاء [ ت ] أو أبت اي في حصول الداعي - كالخازن المضطر الذي لا يجد سبيلا إلى مخالفة الملك ، لو خلّي ونفسه لما أعطاك ذرّة ممّا في يده .
فكلّ من وصل إليك نعمة اللَّه [ تعالى ] على يده فهو مضطرّ ، إذ سلّط اللَّه عليه الإرادة ، وهيّج عليه الدواعي ، وألقى في قلبه انّ خيره في الدنيا والآخرة هو أن يعطيك ما أعطاك . وبعد خلق اللَّه له هذا الاعتقاد فلا يجد سبيلا إلى تركه ، فهو إذن إنّما يعطيك لغرض نفسه لا لغرضك - ولو لم يكن غرضه في العطاء لما أعطاك .
فالمنعم عليك بالحقيقة هو الذي سخّره لك 138 وألقى في قلبه من الاعتقادات والإرادات ما صار به مضطرّا إلى الإيصال إليك .
فإن عرفت الأمور كذلك فقد عرفت اللَّه ، وعرفت فعله ، وكنت موحّدا ، وقدرت على شكره ، بل كنت بهذه المعرفة بمجرّدها شاكرا ، ولذلك
قال موسى عليه السّلام في مناجاته : « الهي خلقت آدم بيدك ، وإذا سوّيته فنفخت فيه من روحك وفعلت ، وفعلت ، فكيف شكرك ؟ » فقال : « علم انّ ذلك منّي ، فكانت معرفته شكرا
تفسير القرآن الكريم — صفحة 388
مساهمون: محمد خواجوى
ص٣٨٨