تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم — صفحة 391

مساهمون:

ص٣٩١
الأصل الثالث : وهو العمل . وصرف الجوارح وسائر النعم في المصارف التي خلقها اللّه وأنعمها لأجلها ، وذلك لأمرين 140 ، أحدهما لدوام النعمة . والثاني لحصول الزيادة . فأمّا دوام النعمة فلأنّ الشكر قيد المنعم ، به تدوم وتبقى ، وبتركه تزول وتحول ولما علمت انّ كلّ نعمة - بل كل عين أو صفة أو قوّة - فهي مخلوقة لأجل غاية وفائدة هي مصرفها ، فإذا صرفت في مصارفها دامت ، وإلّا زالت . كما قال اللّه تعالى
إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ
[ 13 / 11 ] . وقال :
فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ
[ 16 / 112 ] وقوله :
ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ
[ 4 / 147 ] وفي الحديث انّه قال صلّى اللّه عليه وآله : « إنّ النعم أو ابد كأوابد الوحوش ، فقيّدوها بالشكر » . وأمّا الزيادة فلأنّ الشكر لمّا كان قيد النعمة فهو يثمر الزيادة ، وصرف الشيء في مصرفه الطبيعي 141 يوجب اشتداده وازدياده كما قال تعالى :
لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ
[ 14 / 7 ] وقوله :
وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً
[ 47 / 17 ] ألا ترى انّ السيد الحكيم إذا رأى العبد قد قام بحقّ نعمة يمنّ عليه بأخرى ويراه أهلا لها ، وإلّا فيقطع عنه ذلك ؟

تذييل

فإن قلت : هل لنا أن نشكر الخلق على إحسانهم إلينا للنعم الواصلة إلينا من اللّه بأيديهم - وقد ذكر انّ الوسائط مسخّرون ولا تأثير لهم في الإفادة أصلا - ؟ قلنا : نعم - تأدّبا بأدب اللّه وأدب رسوله صلّى اللّه عليه وآله فإنّ شكر المحسن على الإحسان والدعاء له من شعار الصالحين وأخلاق العارفين ، وذلك منهم مع كمال توكّلهم على ربّهم وصفاء توحيدهم في الأفعال ، وقطعهم النظر عن الأغيار في التأثير والآثار 142 ورؤيتهم النعم كلّها من المنعم الجبّار ، فإنّهم يفعلون ذلك اقتداء برسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله