ألا ترى إنّهم مع ذلك لم يقنعوا بهذه الدلائل الباهرة ، فتارة قالوا :
اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ
[ 7 / 138 ] وتارة قالوا :
يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً
[ 2 / 55 ] وأخرى
اتَّخَذُوا الْعِجْلَ
[ 4 / 153 ] إلها لهم . وأخرى
كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ
[ 2 / 61 ] كلّ ذلك لغلبة الكثافة على طبائعهم ، والغشاوة على بصائرهم ، والطبع والرين على قلوبهم .
وأمّا هذه الأمّة فلذكاء عقولهم وصفاء قلوبهم كانوا على خلاف ذلك ، فلا جرم وقع الاقتصار معهم على الآيات الدقيقة والمعجزات العقليّة .
وأمّا على طريقتنا فنقول : ليس في فلق البحر وقلب العصاء حيّة وما يجري مجراهما زيادة على الدلالة على صدق موسى عليه السّلام في جميع ما يدّعيه من إثبات الإله الحقّ وادّعاء النبوة وغير ذلك بالدليل العقلي ، وأمّا كون ذلك من الضروريّات التي لا حاجة معها إلى البرهان النيّر العقلي فغير مسلّم ، كيف وقد ثبت في علم الميزان « إنّ المحسوس - بما هو محسوس - لا يكون كاسبا لشيء ولا مؤدّيا إلى مطلوب » فليس في المحسوس - حدّ لشيء ، ولا برهان على شيء ، كما ليس له حدّ ولا عليه برهان وهذا أمر محقّق عند أئمّة الحكمة والتحقيق ، ولذا قال بعض : « الدين الحاصل بالمعجزة دين اللئام » وحاشا المؤمن المتيقّن أن يكون بناء إيمانه ويقينه على رؤية المعجزة الفعليّة من الرسول . بل بناء ذلك على البرهان العقلي ، أو الشهود الباطني الذي لا يعتريه وصمة شكّ وشوب ريب . وأمّا انفلاق البحر وغيره فممّا للشبهة فيه مجال - كما لا يخفي على أهل البحث - .
ثمّ إنّ العلم الضروري والكشف الحاصل للإنسان يوم القيامة نحو آخر من العلم لم يحصل مثله من انفاق البحر وغيره ، لأنّ ذلك مما يحصل 126 برؤية الأسباب والعلل . ومشاهدتها وظهور الأسباب بأعيانها ليس مثل العلم بها من جهة آثارها .