تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم — صفحة 364

مساهمون:

ص٣٦٤
ولم يؤخّر في أجله في حال إيمانه لئلّا يرجع إلى ما كان عليه من الدعوى . وأمّا قوله [ تعالى ] :
فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ
[ 11 / 98 ] فما فيه نصّ انّه يدخلها معهم ، بل قال :
أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ
[ 40 / 46 ] ولم يقل : « أدخلوا فرعون وآله » ورحمة اللّه أوسع من أن لا يقبل ايمان المضطرّ إذا دعاه . وأيّ اضطرار أعظم من اضطرار فرعون حال الغرق ، واللّه يقول :
أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ
[ 27 / 62 ] وهذا آمن باللّه خالصا ، وما دعاه في البقاء في الحياة الدنيا خوفا من العوارض ، أو يحال بينه وبين هذا الإخلاص ، فرجّح جانب لقاء اللّه على البقاء بالتلفّظ بالايمان ، وجعل ذلك الغرق نكال الآخرة والأولى فلم يكن عذابه أكثر من غمّ الماء الأجاج وقبضه على أحسن صفة . بهذا يعطى ظاهر اللفظ . وهذا معنى قوله :
إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشى
[ 79 / 26 ] يعني في أخذه نكال الآخرة والأولى . وقدّم ذكر الآخرة ليعلم إنّ ذلك العذاب - أي - الغرق - نكال الآخرة ، وهذا هو الفضل العظيم » انتهى كلامه . ويفوح من هذا الكلام رائحة الصدق ، وقد صدر من مشكاة التحقيق وموضع القرب والولاية .

تنبيه

قد ذكر هاهنا اشكال وهو إنّ فلق البحر بضرب عصا من موسى عليه السّلام والدلالة على وجود الصانع وقدرته كالأمر الضروريّ ، فكيف يجوز فعله في زمان التكليف ؟ والجواب امّا على طريقة الأشاعرة فظاهر . وأمّا على طريقة المعتزلة : فقد أجاب الكعبي بأنّ عامّة بني إسرائيل كانت بعيدة العهد عن الفطنة والذكاء ، ممنوّة بالبلادة والفظاظة وقصور الفهم . فلا جرم احتاجوا في التنبّه على حقيّة الايمان باللّه ورسله على معاينة الآيات العظام ، كفلق البحر ورفع الطور فوقهم وإحياء الموتى .