حالهم ، فنصب الأعلام الباهرة والمعجزات القاهرة لاستصلاح امّة موسى عليه السّلام ، وقد كان في قومه من فظاظة القلب وبلادة النفس وكلالة الحدس ما لم يمكنهم معه الاستدلال بالآيات الخفيّة والبراهين العقليّة . ألا ترى إنّهم لما عبروا النهر وأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم ، قالوا - بعد ما شاهدوا من هذه الآيات - :
اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ
[ 7 / 138 ] .
وكان في العرب والعجم من امّة نبيّنا صلّى اللّه عليه وآله من جودة القريحة وحدّة الفطنة وذكاء الذهن ما كان يمكنهم معه الاستدلال بالفكر واقتناص الحقائق بالنظر الدقيق ، والتفطّن بما يحتاج فيه إلى التأويل « 1 » والتدبّر ، والاستضائة بنور العقل الفعّال في ملاحظة الآيات ، فجاءت آياتهم مشاكلة لقرائحهم المتوقّدة ، ومجانسة لأذهانهم من الدقّة والحدّة .
على أنّ في جميعها من الحجّة الظاهرة ، والبيّنة الزاهرة ما ينفي خلاج الشكّ عن قلب الناظر المستبين ، ويفضي به إلى فضاء العلم اليقين ، ويوضح له مناهج الصدق ، ويولجه موالج الحقّ ، وما يستوي الأعمى والبصير . ولا ينبّئك مثل خبير .
فصل
وهاهنا سؤال آخر : وهو إنّ فرعون - كما هو المشهور - كان من أهل الفكر والبحث ، وقد لقّب ب « أفلاطون القبط » فلمّا شاهد فلق البحر - وكان من العقلاء - فلا بدّ وأن يعلم إنّ ذلك من فعل اللّه ، ومن فعل عالم قادر لما يشاء ، مخالف لسائر القادرين ، فكيف بقي على الكفر مع ذلك ؟
وأجيب بأنّه كان عارفا بربّه ، إلا انّه كان كافرا على سبيل الجحود والعناد .
وردّ بأنّه إذا عرف ذلك بقلبه * فكيف استجاز تورّط نفسه في الهلاك
هامش
( 1 ) مجمع البيان : التأمل .