وما ذكرنا من الترتيب في باب معاني الصبر - أي : علمه وحاله وعمله - لا يعرفه إلّا من عرف الترتيب 95 بين الملائكة والإنس والبهائم ، فانّ الصبر من خاصيّة الإنس ، ولا يتصوّر ذلك في البهائم والملائكة . أمّا في البهائم فلنقصانها . وأمّا في الملائكة فلكمالها .
فالملائكة مخلوقة من عقل بلا شهوة . والبهائم مخلوقة من شهوة بلا عقل .
والإنسان بين شهوة وعقل . وقد خلقه اللّه ذا أطوار كما قال تعالى :
وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً
[ 71 / 14 ] ولم يقل : « ذوي أطوار » ليدلّ على أنّ انتقال الإنسان في أطواره الذاتيّة انتقال جوهريّ وحركة ذاتيّة معنويّة بنفسه في نفسه . وبيانه يفتقر إلى كلام طويل وخوض عميق في التحقيق لا يناسب هذا المقام .
* * * وبالجملة - فقد أعطاه اللّه قوّة له أن ينتقل بها من حدّ البهيمة إلى حدّ الملك ويسمّى باعثا دينّيا .
وبيانه : إنّ البهائم سلّطت عليها الشهوات - كما ذكر - وصارت مسخّرة لها ، فلا باعث لها على الحركة والسكون ، إلا الشهوة الداعية لها إلى المشتهيات وليس لها قوّة أخرى تصادم قوّة الشهوة وتسخّرها وتردّها عن مقتضاها ، حتّى يسمّى ثبات تلك القوّة في مقابلة مقتضى تلك الشهوة « صبرا » .
وأمّا الملائكة ، فإنّهم جرّدوا للمعرفة والشوق إلى الحضرة الربوبيّة ، والابتهاج بدرجة القرب منها ، ولم يسلّط عليها شهوة صارفة عنها حتى يحتاج إلى مصادمة ما يصرفها عن حضرة الجلال بجند آخر يغلب الصوارف .
وأما الإنسان فإنّه خلق في ابتداء الحداقة والصبا ناقصا مثل البهيمة ، لم يخلق فيها إلّا شهوة الغذاء الذي هو محتاج إليه في حيوانيّته وحياته الدنيا ، ثمّ تحدث فيه شهوة اللعب والزينة ، ثمّ شهوة النكاح على الترتيب ؛ ثمّ شهوة التفاخر