وجاهل متنسّك »
وذلك لأنّ من وعظ وأظهر علمه للخلق ثمّ نسي نفسه ولم يتّعظ وفعل المعصية صار وعظ وإظهاره للعلم سببا لرغبة الناس في المعصية ، لأنّهم يقولون : « إنّ هذا رجل عالم ، لو أنّه اطّلع على ضرر المعصية لما أقدم عليها ، ولولا انّه اطلّع على أنّه لا أصل لهذه التخويفات لما اجترأ على فعل المعصية » .
فقد صار وعظه داعيا للناس إلى التعاون بالدين ، والجرأة على المعاصي ، سيّما والنفوس مجبولة على الحرص بالمنكرات والشهوات إذا لم يكن رادع شرعي أو عقلي ، فإذا كان غرض الواعظ الردع والزجر ثمّ أتى بما يوجب الرخصة والترغيب ، فكأنّه فعل شيئا متناقضا ، وهو من العاقل موضع العجب .
فصل [ الوعّاظ الغير المتّعظون ]
أكثر ما تعتري هذه الصفة - أي إصلاح الناس والأمر لهم بالبرّ مع نسيان النفس وإصلاحها وعدم تفقّد أحوال القلب - للمقتصرين على العلوم الظاهرة من غير تحقيق فيها ، والناقلين للأخبار والروايات من غير دراية . لما فيها من جلب خواطر الناس والشهرة وطلب الرياسة والإمامة .
فالواعظ يجد في وعظه وتأثّر قلوب الناس به حلاوة ولذّة لا يوازيها لذة ، فإذا غلب ذلك على نفسه مال طبعه إلى كلّ كلام مزخرف يروّج عند العوام - وإن كان باطلا - ويفرّ عن كلّ كلام يستثقله العوام - وإن كان حقّا - ويصير معروف الهمّة بالكليّة إلى ما يحرّك قلوب العوام ، ويعظّم منزلته عندهم ، فلا يسمع حديثا وحكمة إلّا ويكون فرحه بها من حيث انّه يناسب أن ينقل في محفل الناس أو يذكر على رأس المنبر .