قرقر لا يفقد منها شيئا ، ليس فيها عقصاء ولا جلحاء ولا عضباء « 1 » تنطحه بقرونها ، وتطأه بأظلافها ، كلّما مرّ عليه أوليها ردّ عليه أخراها في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ، حتى يقضي بين العباد فيرى سبيله ، إمّا إلى الجنّة ، وإمّا إلى النار » .
و
روي أيضا عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله « 2 » : « ما من رجل يكون له إبل أو بقر أو غنم لا يؤدّي حقها إلّا أتي بها يوم القيامة أعظم ما يكون وأسمنه ، تطؤه بأخفافها وتنطحه بقرونها ، كلّما جازت أخراها ، ردّت عليه أوليها ، حتّى يقضى بين الناس » .
* * * واعلم إنّ هذه التمثيلات المشاهدة يوم القيامة ، كما ورد في هذه الأحاديث - كلّها حقّ وصدق يجب الايمان بها ، ولكنّي أراك - يا حبيبي - عاجزا عن فهمها وسرّ حقائقها وروح معانيها ، لأنّك ونظرائك عاكفون على أصنام الأجسام الدنياويّة ، لا تجاوزونها في باب الاعتقاد .
ولو نظرتم إلى هذه الأجسام الدنياوية المشاهدة لهذه الحواس أيضا لعلمتم إنّ أصلها نشأت من المعاني والجهات العقليّة التي اقتضت وجودها اقتضاء ذاتيّا ، كعلوم الباري جلّ ذكره ، أو إدراكات المبادي المقوّمة إيّاها ، فهذه الأجسام كأنّها معان تجسّمت وتكوّنت وانحصرت في مضائق الأبعاد والأحياز ، وكأنّها أرواح تجسّدت ، وعقول تشكّلت ، إلّا انّ بعضها وجدت على سبيل الحركة والاستعداد بمشاركة انفعال من الموادّ ، وبعضها نشأت على سنّة الإبداع في الإيجاد .
وأمّا الدار الآخرة - وهي دار القرار ودار جلال اللّه وكبريائه - فالقدرة فيها
هامش
( 1 ) العقصاء : ملتوية القرنين . الجلحاء : التي لا قرن لها . العضباء : التي انكسر قرنها الداخل .
( 2 ) البخاري : كتاب الزكاة : 2 / 148 .