لنفسه يرحم بها عباده يوم القيامة » .
وإذ قد أعطاك من الرحمة الواحدة كلّ هذه العطايا الكريمة العزيزة من معرفته والكون من هذه الامّة المرحومة . ثمّ غير ذلك من النعم الباطنة والظاهرة فمرجوّ من فضله العميم أن يتمّ ذلك الأمر ، فانّ من بدء بالإحسان والإكرام فعليه الإتمام ، ويجعل لك من تسعة وتسعين رحمة الحظّ الوافر - نسئل أن لا يخيّب آمالنا بفضله وكرمه .
وأما من جانب الخوف فأوّلا إنّ إبليس عبده ثمانين ألف سنة فلم يترك - فيما قيل - موضع قدم إلّا وسجد اللّه تعالى فيه سجدة ، ثمّ ترك له أمرا واحدا ، فطرده من بابه وضرب بوجهه عبادة ثمانين ألف سنة ، ولعنه إلى يوم الدين ، وأعدّ له عذابا أليما أبد الآبدين ، حتّى
روي أنّ الصادق الأمين صلوات اللّه عليه وآله ، رأى جبرئيل متعلّقا بأستار الكعبة وهو يتضرع : « إلهي لا تغيّر اسمي ، ولا تبدّل جسمي » .
ثمّ آدم صفيّ اللّه ، خلقه بيده وأسجد له ملائكته وحمله على أعناقهم إلى جواره فأكل أكلة واحدة لم يؤذن فيها ، فنودي « ألا لا يجاورني من عصاني » فأمر الملائكة الذين حملوا سريره يرمونه من سماء إلى سماء ، حتّى أوقعوه بالأرض ، ولم يقبل توبته - فيما روي - حتّى بكى على ذلك مائة سنة ، ولحقه من الهوان والبلاء ما لحقه وبقيت ذريّته في تبعات ذلك أبد الآبدين .
ثمّ أن نوحا - شيخ المرسلين صلوات اللّه عليهم أجمعين - احتمل في أمر دينه ما احتمل ، لم يقل الّا كلمة واحدة على غير وجهها ، إذ نودي :
فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ
[ 11 / 46 ] حتى روي في بعض الأخبار إنّه لم يرفع رأسه إلى السماء حياء من اللّه سبحانه وتعالى أربعين سنة .
ثمّ [ أنّ ] إبراهيم الخليل - صلوات اللّه عليه - لم يكن منه إلّا هفوة واحدة ، فكم خاف وتضرّع وقال :
وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ