وهاهنا وجه آخر ، وهو أنّه يحتمل أن يكون الهبوط الأوّل إلى البدن ، والهبوط الثاني إلى الدنيا . ومنشأ الأوّل حاجة النفس لتكميلها إلى قواها ودواعيها كالشهوة والغضب التي في البدن ، ومنشأ الثاني حاجتها بواسطة تكميل البدن ومنافعه ومضارّه إلى الأمور الخارجة عنه .
وممّا روي في الأخبار والحكايات : إنّ آدم عليه السّلام اهبط بالهند وحوّا بجدّة ، وإبليس بموضع من البصرة ، والحيّة بإصبهان .
إشارة قرآنية [ كراهيّة الإنسان للهبوط ثمّ للعروج ]
ثمّ إنّ في الآية اشعارا لطيفا بأعجب أحوال الإنسان ، فإنّ من عجيب أحواله إنّ مفارقته عالم القدس والرحمة وبعده عن درجة المقربين وهبوطه إلى دار الدنيا كان صعبا عليه في أول الأمر بمقتضى صفائه الذاتي وفطرته الأصلي ، ولم يرض بالكون في هذا العالم بل استكرهه واستوحشه ، حتّى صدر الأمر بهبوطه مرّة بعد أولى ، ثمّ إذا وقع في هذه الدار - دار الغربة والوحشة - ومضت عليه برهة من الزمان ، نسي موطنه الأصلي وداره وأحبّائه وأحفاده الذين كانوا صحبهم فيها ، وألف هذا المنزل وتثبّط فيه ، وكره الخروج منه واستأنس بأهل الدنيا واستصعب مفارقتهم .
* * * وللشيخ أبي علي بن سينا قصيدة يومي إلى هذا المعنى وإلى بعض أحوال النفس من تجرّدها وتعلّقها ، هذه بعض أبياتها « 1 » - قال :
هامش
( 1 ) القصيدة معروفة تسمّى بالقصيدة العينية وكذا « القصيدة الطيرية » جاءت في « لغت نامهء دهخدا » و « نامهء دانشوران » ومع شرح وجيز في « أسرار الحكم » للسبزواري : 275 .