تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم — صفحة 157

مساهمون:

ص١٥٧
كلمات مسجّعة تشير إلى مقاماتهم وأحوالهم ، وهي هذه : « لما جاءتهم عناية الفضل تركوا الفضول ، وسافروا إلى منازل الوصول ، وركب السادات على خيل السعادات واستعانوا في سفرهم على سلوك الطريق بزاد التقوى ، المعجون بماء التوفيق ، وراضوا خيلهم في رياض الرياضة ، وضمروها والجموها بلجام منع الالتفات إلى غير مولاها ، وزجروها وضربوا بسيوط الخوف ، وحرّكوها باعمال السوق ، وركضوها إلى غاية المنى في ميدان الشوق ، وذبحوا نفوس الهوى بسيوف المخالفة وطعنوا فرسان الطبع برماح ترك العادات السالفة وطهّروها بماء الدموع الطهور [ ل ] نجاسات الذنوب والعيوب وسائر الشرور ، حتّى صحّت لهم العبادة المفتقرة إلى الطهارة كالصلاة ، وداووا قلوبهم من أمراض حبّ الدنيا والجاه ، وأحرقوا أشجار خشبها بنار حزن القلب الأوّاه ، وأحيوا ميتها بذكر اللّه . وا عجبا منّا - كيف نعرف تلك المواهب والأحوال ولا نتداوي من الداء العضال الذي بيننا وبينها حال . لقد عجزنا وملنا إلى الهوى وإلف العادة ، لم نخرج عن الرغوبات والطباع التي خرجت عنها السادة ، ولم نتّعظ بوعظ لسوء حظّ لم تساعدنا السعادة » - انتهى كلامه . أقول : بقي في هذا الزمان من هذه المعاني حكاياتها ، ومن حقائق العلم واليقين ألفاظها وعباراتها ، بقي أقوال بلا أعمال ، وأشخاص كالتماثيل بلا روح العلوم والأحوال . وسئل عن عابد حين يبكي : « ما يبكي العابد ؟ » فقال : « مالي لا أبكي ، وقد توعّرت الطريق ، وقلّ السالكون فيها . وهجرت الأفعال وقلّ الراغبون فيها وأهل الحق . ودرس هذا الأمر ، ولا أراه إلّا في لسان كلّ بطّال ينطق بالحكمة ويفارق الأعمال وقد افترش الرخصة وتمهّد التأويل ، واعتلّ بزلل العاصين » . ثمّ جعل يقول : « وا غمّاه من فتنة العلماء ! وا كرباه من حيرة الأدلاء ! أين الأبرار من العلماء ؟ بل أين الأخيار من الزهّاد ؟ »