الدنيوي ، وبعد رجوعهم عن هذه الدار ، واتّصالهم بتلك الكلمات التي لا تبيد ولا تنفد .
وفيما روي عن ابن عبّاس إشارة إلى أنّ المراتب اللاحقة هي أعيان المراتب السابقة ، وأنّ كل أحد يمكن وصوله إلى المقام الذي كان فيه بحسب الفطرة الأصليّة إن ساعده التوفيق .
فقوله : « ألم تخلقني بيدك » 36 إشارة إلى مقامه السابق الربوبي الأسمائي . وقوله « ألم تنفخ فيّ الروح من روحك » إشارة إلى مقامه السابق الروحي في عالم العقل المحض . وقوله : « ألم تسكننّي جنّتك » إشارة إلى مقامه السابق النفسي في عالم الحياة النفسانيّ الجنانيّ ، وهو عالم الجنّة والمغفرة .
وقال النخعي « 1 » : أتيت ابن عباس ، وقلت : ما الكلمات التي تلقّى آدم وحوّا من ربّه ؟ قال : علّم اللّه آدم وحوّاء أمر الحجّ . فحجّا ، وهي الكلمات التي يقال في الحجّ ، فلما فرغا من الحجّ أوحى إليهما بأنّي قبلت توبتكما .
و
روي « 2 » لما أراد اللّه أن يتوب على آدم طاف بالبيت سبعا ، والبيت يومئذ ربوة حمراء ، فلما صلّى ركعتين قال : « اللهم إنّك تعلم سرّي وعلانيتي ، فاقبل معذرتي . وتعلم حاجاتي ، فاعطني سؤلي . وتعلم ما في نفسي ، فاغفر لي ذنوبي .
اللهم إنّي أسئلك ايمانا يباشر قلبي ، ويقينا صادقا حتى أعلم إنّه لن يصيبني إلّا ما كتبت [ لي ] والرضا بما قسمت لي » فأوحى اللّه إلى آدم : « يا آدم قد غفرت لك ذنبك ، ولم يأتني أحد من ذريّتك فيدعوني بمثل الذي دعوتني به إلّا غفرت ذنبه وكشفت همومه وغمومه ونزعت الفقر من بين عينيه . وجاءته الدنيا وهو لا يريدها »
هامش
( 1 ) تفسير الفخر الرازي : 1 / 470 .
( 2 ) الدر المنثور : 1 / 59 .