تستأنس النفس وتطمئنّ بتلك الصور العمليّة والعقليّة وتجد بها قرارا ، لأنّ أصلها أيضا من جنّة اللّه تعالى وبتلك الاستفادة يضيء لها طريق الصراط وقت ذهابها إلى معادها ويخف حسابها ، وتثقل موازينها .
فقد تبيّن الآن إنّ البشر بتقدير الابتداء ومقام الإباء فوق العقل والطبع ، لكنّهم اليوم محبوسون تحت الطبيعة مقيّدون بالعقل العملي وخلاصهم يكون عند إطلاقهم عن وثاقهم وخروجهم عن قيد العقل ، وليس يخلصون عن قيد العقل إلّا حين يخرجون من سجن الطبع والطبيعة . وهذه معان منغلقة يفتحها الشرح ( ظ : الشرع ) للمستحقّين ، وإنّها محرّمة على الجاهلين .
ثمّ سئل مسألة ثانية هي : إنّا لأي شيء جئنا إلى هذا العالم ، بعد أن كنّا مغبوطين ؟
فأجاب : اعلم إنّ مجيئنا إلى هذا العالم لم يكن باختيارنا وإرادتنا ، لكن بالقهر جئنا ، وبالقهر نمسك ، وبالقهر نخرج ، وإنّا جئنا للتمحيص والتطهير
لِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ
[ 3 / 141 ] وطهارة النفس إنّما تكون بالعمل الشرعي والعلم الإلهي ، وبهذين تتمّ الطهارة والتوجّه إلى المعاد ، وكما إنّ طهارة الجسد يكون بالماء أو بالتراب عند عدم الماء ، كذلك طهارة النفس بالعلم الذي هو بمنزلة الماء ، والعمل الذي هو بمنزلة التراب ، فكلّ من أتى بالعمل الشرعي حتّى يصل إلى العلم الإلهي ، فيعلم حقيقته ، ويعرف نفسه ، فإنّه يخلص عند مفارقته هذه الدنيا ، التي هي سجن المؤمن وجنّة الكافر .
إشارة مشرقيّة
واعلم إنّ حكاية هبوط العقل الإنساني والنفس الآدميّة من عالم القدس إلى موطن الطبيعة الجسمانيّة ممّا كثرت في مرموزات الأنبياء عليهم السلام ، وإشارات الأولياء والحكماء .