الأجسام وقيل لها :
انْطَلِقُوا إِلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ
[ 77 / 30 ] فتفرّقت في هياكل الأجسام وتمزّقت بعد وحدتها وجمعيّتها ؛ وشتّت شملها ، ووقعت بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة ، كما قال تعالى :
اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ
.
وعرض لها عند ذلك من الأهوال والدهش والمصائب مثل ما عرض لقوم من ركّاب البحر لمّا اشتدت بهم الريح ، واضطرب بهم البحر ، وهاجت بهم الأمواج ، وانكسرت منهم السفينة ، وغرقوا في بحر الطبيعة ، وغاصوا في ظلمات الماء ، وتفرّقوا في كلّ فجّ عميق من الجزائر والسواحل .
فكما إنّ أولئك القوم في الوقت الذي انكسرت منهم السفينة - تراهم بين غائص ، وطاف ، أو متعلّق بخشبة أو بحبل ، أو راكب بعضهم كتف بعض ، كلّ واحد يقول : « نفسي ، نفسي » من شدّة الأهوال ، لا يفكّر بغيره ، ولم يرد النجاة إلّا لنفسه ، ولا همّه سواه ، ولا يكفّر فيما كانت فيه - فهكذا حال النفوس في هذا العالم وكونها مع هذه الأجساد . فمن هذه الأشياء نسيت النفوس عالمها ودارها الحيواني ولا يذكر شيئا ممّا كانت فيه من أمر عالمها ومبدأها ومعادها ، كما قال تعالى :
وَإِذا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ وَإِذا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ
. [ 37 / 14 - 15 ] ثمّ قال : إنّ النفس إذا انتبهت من نوم الغفلة ورقدة الجهالة واستبصرت ذاتها ، وعرفت جوهرها ، وتحقّقت بغربتها في عالم الأجسام وغرقها في بحر الهيولى ، وأسرها بالشهوات الطبيعيّة ، وعاينت عالمها ، واستبان لها فضل نعيمها على هذه اللذّات الكدرة الظلمانيّة وتنسّمت بروح عالمها وريحانها ؛ اشتاقت إلى هناك وملت الكون مع هذه الأجسام ، وزهدت في نعيم الدنيا ، وتمنّت الموت لهذا الجسد ، والخروج من ظلمته ، فيكون مثلها مثل جماعة خرجوا من الحبوس والمطامير مع ضوء الصبح ، فشاهدوا هذا العالم دفعة واحدة .