الأثواب والأكيسة منه ، وأيضا فلو كانت من الذهب - مثلا - لم يمكن الزراعة عليه ، ولا اتّخاذ الأبنية منه .
وثانيها أن لا يكون في غاية الشفيف واللطافة ، وإلّا لما استقرّ عليه النور ، ولم يقبل التسخّن من الكواكب فكان باردا جدّا لا يصلح أن يكون فراشا للحيوانات ؛ فمن لطف اللّه تعالى أن جعل الأرض ذات لون غبراء ليستقرّ عليها ساطع الضياء .
وثالثها أن يكون بارزا من الماء ، لأنّ طبع الأرض أن تكون غائصا في الماء ، فكان يجب أن تكون البحار محيطة بالأرض ، ولو كانت كذلك [ لم تكن ] فراشا - هذا هو السبب الغائي - وأمّا السبب الفاعلي : فهو ما يحدث في قعر البحر بسبب أمواجه الحاصلة من الرياح من شبه الأخاديد والوهدات ، والمواضع المرتفعات ، فينحدر منها إلى الوهدات فيتبرز الأعلى منها ، فصار مجموع الأرض والماء كرة واحدة ، يدل على ذلك فيما بين الخافقين تقدّم طلوع الكوكب وغروبها للمشرقين على طلوعها وغروبها للمغربيين ، وفيما بين الشمال والجنوب ازدياد ارتفاع القطب الظاهر للواغلين في الشمال وبالعكس للواغلين في الجنوب ، وتركّب الاختلاف لمن يسير على سمت بين السّمتين إلى غير ذلك من الأعراض الخاصّة بالاستدارة - يستوي في ذلك راكب البرّ وراكب البحر ، ونتوء الجبال - وإن شمخت - لا يخرجها عن الاستدارة ، لأنّها بمنزلة الخشونة القادحة في ملاسة الكرة لا في استدارتها .
ورابعها أن تكون ساكنة ، إذ لو تحرّكت فإمّا على الاستقامة ، أو على الاستدارة وكلاهما باطل ينافي الافتراش .
أمّا الاستقامة : فلأنّها لو تحرّكت بكليّتها حركة مستقيمة لكانت إلى جانب السفل - لا غير - لثقلها الطبيعي ، فإذا تحرّكت هي كذلك لم يمكن استقرار ثقيل آخر عليها لأنه ها و ، والأرض هاوية ، وهي أثقل ، والثقيلان إذا نزلا كان أثقلهما أسرعهما في النزول ، والأبطأ في النزول لا يلحق الأسرع ، فلا يمكن وصول الإنسان إلى وجه الأرض حتى يفترشها .
تفسير القرآن الكريم — صفحة 92
مساهمون: محمد خواجوى
ص٩٢