إرادات متجددة متعاقبة غير متناهية ، وزعموا إنه يفعل شيئا ثمّ يريد بعده شيئا آخر ، فينفعل ، ثمّ يريد فيفعل ، وله إرادة ثابتة أزليّة ، وإرادات متجدّدة لا تتناهى ، وخالفوا في ذلك البرهان والقرآن جميعا كما فصّل في مقامه والزم عليهم أن يكون إله العالمين جسما متحرّكا على الدوام ، متأثّرا عن غيره كسائر الأجرام - تعالى عمّا يقوله الجاهلون علوّا كبيرا - فلا جرم « 1 » لمّا كانت قوّته وقدرته غير متناهية ، وجوده وكرمه غير واقف عند حدّ ليحصل منه قدر متناه من الموجودات الممكنة ، فوجب أن يكون من جوده وجود أمر دائم الحركات ، وأمر دائم التأثّر والانفعالات .
وذلك يوجب انفتاح أبواب البركات ، ورشح فنون الخيرات إلى ما شاء اللّه لأنّه إذا لم يكن الفاعل على الفيض بضنين فيحصل الفيض على أهل الاستحقاق بحسب استحقاقه وقوة احتماله ، حتى أنّ النملة مع حقارتها لو كانت مستعدّة لقبول العقل والعرفان لوجب أن يفيض عليه الواهب المنّان بلا مهلة .
فلا جرم يجب في العناية الربّانية وجود جرم مستدير متحرّك على الدوام ، مؤثّر فيما تحته إلى أن يشاء اللّه ، وجرم آخر ساكن منفعل متاثّر منه كذلك كحركة الآباء على الامّهات ، لتولّد البنين والبنات ، فينبعث من حركة الفلك على وجه الأرض وإنزال الماء منه إليها أعداد المواليد ، وأفضلها أفراد الإنسان المشابهة بحسب الروح النفساني للأب العلوي الجسماني ، وبحسب الروح الأمري للأب المعنوي والروح القدسي فإذا كملت منها نفس بالعلم والعمل عادت إلى الموطن الأصلي عند باريها وجنّة أبيها ، ومتى لم يكمل بأحدهما مكثت زمانا طويلا أو قصيرا في طبقات الجحيم ، كما فصّل في مقامه .
الإشراق الثاني :
أما ما يتعلق بخلق الأرض من عجائب الحكمة وغرائبها فلا يمكن الاستقصاء
هامش
( 1 ) جزاء : « لما لم يجز وقوفها . . . » .