وأما الاستدارة : فلأنها لو تحرّكت بالاستدارة إلى جانب الغرب كما توهمّه من زعم إن هذه الحركة الأولى الشرقية منسوبة إلى الأرض - والإنسان يريد أن يتحرّك إلى جانب الشّرق فلا يمكنه الوصول إلى حيث يريد بسرعة حركتها وبطء حركته بما لا نسبة بينهما ، والوجود يكذبه ويشهد بخلافه ، فالمفروض باطل .
ثمّ النّاس اختلفوا في سكون الأرض وسببه ، فمنهم من زعم إنّها هاوية إلى غير النهاية بلا مهبط - وهذا باطل لما مرّ ولتناهي الأبعاد الثابت بالبرهان .
ومنهم من زعم إن شكلها كنصف كرة موضوع على الماء ، حدبتها إلى فوق وقاعدتها إلى أسفل ، ومن شأن الثقيل إذا انبسط أن يندعم على الماء كالسفينة ؛ وفيه - بعد تجويز مثل ذلك الشكل عليها - أن الكلام عائد في سبب وقوف الماء .
ومنهم من قال : سبب سكونها جذب الفلك إيّاها من جميع الجوانب على نسبة واحدة . وهو باطل وإلا لكانت المدرة المنفصلة عنها أسرع انجذابا - لصغرها - إلى الفلك ، فما بالها لم تنجذب ! ؟
ومنهم من جعل سببه دفع الفلك لها من كلّ الجوانب ، كما إذا جعل شيء من التراب في قنينة ثمّ أديرت على قطبها إدارة سريعة ، فإنّه يجتمع التراب ويقف في وسطها لتساوي الدفع من الجوانب ؛ وهذا أيضا باطل بوجوه كثيرة مذكورة في محلّها .
ومنهم كأبي هاشم - زعم إنّ النّصف الأسفل من الأرض [ فيه ] اعتمادات صاعدة ، والنصف الأعلى فيه اعتمادات هابطة ، فيتدافع الاعتمادان ، فيلزم الوقوف .
وهو أيضا فاسد لعدم . اختصاص كلّ من النصفين بصفة يوجب ما ذكره ، بل الأرض بتمامها لا تستدعي إلّا أمرا واحدا .
ومنهم من ذهب إلى أن الأرض تطلب بالطبع وسط الكل وجهة التّحت ، لأنّ الثقال بالطبّع يميل إلى السفل ، كما إن الخفاف بالطّبع يميل إلى الفوق ، والفوق
تفسير القرآن الكريم — صفحة 93
مساهمون: محمد خواجوى
ص٩٣